عادي

مذكرات الأهل.. طاولة تشريح لخبايا المبدعين

23:41 مساء
قراءة 5 دقائق
1

القاهرة: إبراهيم حمزة 

«لوى أبي عنق أخي، قتله نعم قتله، رأيته يقتله»، عبارة من رواية «الخبز الحافي»، سيرة محمد شكري الذاتية الروائية، كما كتب على غلافها، التي منعت وصودرت وقت نشرها، بعدما نشرت بالفرنسية، والإسبانية، والإنجليزية، ثم عادت للغتها العربية، مجرد لحظات فضح مكتوبة في سيرة روائية، لم يحتملها الضمير الثقافي، لكننا هنا نعرض لسير المبدعين على ألسنة غيرهم: «الزوجة، الابنة، الابن، إلخ..»، فهل تغيرت الصورة؟ خاصة لو كان المبدع نفسه ترك سيرة ذاتية. 

يصف حسين أحمد شوقي طفولته بالسعيدة المدللة، ويحكي أن أباه كان يجلس على مقعد صغير في الحنطور، ويجلس هو في المقعد الكبير، وقد لام الخديو شاعرنا على ذلك، فقال له شوقي: «سله هو يا أفندينا لِمَ يفعل بي هذا»، ويرجع حسين نجاح أبيه إلى والدته، فهي «لم توجه له لوما في حياته مرة، مع أنه كان خليقاً باللوم أحياناً كثيرة.. ومن عيوب أبي أنانيته الشديدة.. ويقول إنه كان يقابل أصحاب الحاجات، فإن كان معتل المزاج، هرب من باب خلفي في الحديقة صنع خصيصاً لهذا الغرض.

 في موقف آخر يعرض حافظ إبراهيم على شوقي، ضرورة الاهتمام بابنه حسين، لأنه يمتلك موهبة شعرية قائلاً له: «عليك أن تتعهده ليصير شاعراً مطبوعاً»، فيرد شوقي: «إني أفضل أن يعنى هو بالنثر لا بالنظم، لأن الشعر لا يتحمل الوسط، وحسين لن يبلغ فيه القمة»، فيرد حافظ بك موجهاً كلامه لحسين قائلًا: «لا تطع مشورة أبيك يا حسين، إنه يقول ذلك لأنه غيران منك، ويخشى أن تسبقه في يوم من الأيام»، ورغم أن «حسين» يؤكد صدق رؤية أبيه بعد ذلك، إلا أنه يشير في موضع آخر لأنانيته المفرطة، في ما يتعلق بالشعر خاصة. 

وعبر مئة وستين صفحة ننتقل مع أمير الشعراء بين القصر، والمنفى، والبيت، بكثير من الحيادية، في حين يذكر سكرتيره «أحمد عبد الوهاب» في كتابه «اثنا عشر عاماً في صحبة أمير الشعراء»، حكايات قصيرة، تدور كلها حول كرم شوقي، وطيبته، وبساطته، وحسن تربيته لأولاده، وكيف كان حسين ابنه مبتسماً دوماً، ويقول إن صديقاً عزيزاً خاطب «شوقي» مرة قائلًا: «أرى من المستحسن يا شوقي بك أن تمنع علياً من التدخين أمامك، فقال له: «لا يرضيني ذلك، لأنى إن فعلت كان قربه مني قصيراً، وأنا أحوج ما أكون لجعل قربه مني طويلًا»، والكتاب قريب الصلة من حالات الإلهام الشعري التي كان يشهدها المؤلف، باعتباره سكرتيراً لأمير الشعراء، وكذا طقوسه كشاعر، ربما يعيبه بشدة هذه الصورة الملائكية التي رسمها لشوقي، كما لم يرسمها ابنه في كتابه «أبي».

لحظات يأس

 في كتاب «معك»، تقول سوزان بريسو، زوجة د. طه حسين، عن اعترافه الأول بالحب: «أقرأ له عندما يكون وحيداً، كنا نتحدث بكثرة، وكان يحقق تقدّماً عظيماً في اللغة الفرنسية، وذات يوم قال لي اغفري لي، لا بدّ من أن أقول لكِ ذلك؛ فأنا أحبك»، وصرختُ: ولكني لا أحبك، كنت أعني الحبَّ بين الرجل، والمرأة، وقد أذهلتني المفاجأة، بفظاظة، فقال بحزن: آه، إنني أعرف ذلك جيداً، وأعرف جيداً كذلك أنه مستحيل»، ويمضي زمن، ثمّ يأتي يوم آخر أقول فيه لأهلي إنني أريد الزواج من هذا الشاب كيف؟ مِن أجنبي؟ وأعمى؟ وفوق ذلك كله: مسلم؟ وكان ما كنتُ أنتظره من ردِّ الفعل؟ لا شكّ في أنكِ جُنِنْتِ تماماً».

وتتابع عن ذكرياتها مع عميد الأدب العربي: «سأجهد الآن في أن أستدعي من دون أي حقد تلك الساعات التي كانت يائسة إلى حدٍّ اعترف لي طه معه بعدها بكثيرٍ، أنه فكّر في الانتحار … آه!  لم يفكر فيه زمناً طويلاً؛ إذ لم تكن تلك طريقته في مواجهة العقبات»، الجميل في كتاب «معك» أنه يكشف عن جزء معتم من سيرة «طه حسين»، وهو ما يتعلق بظروفه المالية، وكفاحه، ودور الزوجة التي كانت حصنه الدائم، أما طه حسين نفسه، فيصفها في «الأيام» ب«المَلك»، الذي يحنو عليه كما يحنو على ابنته. 

حياتي

أما الدكتور أحمد أمين، فقد كتب سيرته في كتابه «حياتي»، أما ابنه حسين، فقد كتب مقالات عدة تحدث فيها عن أبيه، وعن بعض الرسائل التي كان يرسلها أحمد أمين لزوجته تخلو تماماً من العواطف، بل من أي ود، فهو يرسل لها من المصيف رسالة محتواها كالتالي: «مخدة، وابور جاز، شمسية البلاج، مجموعة الكتب التي تركتها على المكتب أرجو إحضار هذه الأشياء، والسلام».

أما د. جلال أمين فقد كتب كتابين عن حياته، هما «ماذا علمتني الحياة؟»، و«رحيق العمر»، وفي الكتابين يميل لطرح رأيه مفصلًا في علاقة الزوج بالزوجة، خاصة أنه يهدي كتابه إلى زوجته «جان» عرفاناً بجميل ثلاثة وأربعين عاماً من الحب والصداقة، ويحكي أحمد أمين نفسه في كتابه «حياتي» عن علاقته بزوجته، حيث كان لا يعكر صفو حياته سوى أمرين، «أما أولهما فمسألة الخدم، حيث كانت الزوجة لا تستغني عن الخدم، ولا تطيق تصرفات الخادمة، فتقع المشكلات، أما المسألة الثانية، فقد كانت سبل التفاهم معها، فقد كنت أظن أن العقل والموضوعية والتفاهم سبل الحوار بين الزوجين، لكن هذا الكلام العاقل لا علاقة له بأي مناقشة بين زوجين، خاصة من جهة الزوجة، فأنت تتكلم في اليمين، وهن يتكلمن في الشمال».

أما د. جلال أمين، فيكشف عن أسرار عجيبة في هذا البيت، حيث يذكر في كتابه «ماذا علمتني الحياة؟»، أنه وقع على مذكرات لأبيه، أقرب إلى البوح، والفضفضة، يقول في مذكراته التي كتبها بعد زواجه بعام، مع ملاحظة أنه كان يلجأ للإنجليزية في عبارة ما خشية أن تقع هذه المذكرات في يد زوجته، ويكرر الملاحظة المتعلقة بعدم جمال الزوجة بعد سطور قليلة، لكن شهادة د. جلال أشد قسوة في حق الأم، حيث يصف خطتها لتحويل البيت من ملكية لزوجها– أحمد أمين– إليها عن طريق توفير بعض ما تحصل عليه من ماله، فاشترت منه نصف البيت، ثم النصف الآخر، وطلبت منه بعد ذلك أن يدفع لها إيجاراً باعتبارها مالكة البيت، رغم أنها لم ترث قرشاً واحداً، كما يقول جلال أمين، أما ما يرصده بخصوص الوالد، فهو تقشفه الزائد، رغم وجود المال، فلا لوحات، ولا سيارة حديثة، ولا تحف غالية، ويرصد أيضاً أن والده لم يناد أمه باسمها أبدًا، كان ينادي دوماً: يا ولد، ومرات قليلة كان يدللها بأم حمادة، فهل هناك رومانسية أكثر من هذا البؤس الزوجي؟.

ثرثرة تمزق الصمت

تحكي عبلة الرويني في كتابها «الجنوبي»، سيرة علاقتها بأمل دنقل، كصحفية، ثم كصديقة، ثم كزوجة، وربما أخطر وأدق المراحل هي مرحلة الزواج، لأن أمل لا يصلح زوجاً أبداً، تقول عن نفسها: «كان مزاجي العصبي الحاد يجعلني في ثورة دائمة على أمل داخل المنزل، فهو زوج كسول، لا يفكر في كياننا كأسرة، وكأن كل ما في الأمر أنه بدلاً من أن يحيا بمفرده أصبح يحيا مع صديق آخر لا تشغله مشكلات، ولا مواعيد، ولا أي شيء، يحترف الصمت، ويهرب من كل أشكال الحوار». 

تبدو الحياة بين الاثنين مغامرة محمومة، رهان من جانب عبلة، وتمسك بالشعر في مقابل كل شيء من جانب أمل.

قيَم هذا المقال
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2vryunz