عبدالرحمن عبد العزيز خانصاحب *

ستهتم مدن المستقبل بشكل أكبر بصحة الإنسان متجهة نحو فرض السياسات التي تشجع على تحسين نوعية الهواء وكفاءة استخدام الطاقة.
يُعد قطاع الإنشاءات قطاعاً شديد التأثر بالدورات الاقتصادية، رغم أنه واحد من أكبر المساهمين في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد تسببت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بعرقلة هذا القطاع الذي يواجه تحديات حول العالم، ويُعرف عنه أنه بطيء التغير، ويقاوم اعتماد التقنيات الحديثة. 
ويشير تقرير صادر عن شركة ماكنزي عام 2020 إلى أن قطاع الإنشاءات هو الأكبر في العالم، ومع ذلك، فإنه لا يسجل أداء جيداً حتى في غير أوقات الأزمات.
وبشكل عام، يمثل القطاع 13% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و14.5% من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات العربية المتحدة، اعتباراً من عام 2018. ومع ذلك، فقد سجل نمواً سنوياً بنسبة 1% فقط حول العالم.
لذا، فمن الواضح على هذا القطاع أن يتأقلم ويتكيف مع المتغيرات المحلية والدولية، أولاً من أجل مواجهة التحديات، وثانياً من أجل زيادة عائداته المالية في عالم ما بعد جائحة فيروس كورونا المستجد.
وسأسلط الضوء، في الفقرات التالية، على أربعة تحولات أتوقع أنها ستغير مسار قطاع الإنشاءات في الإمارات، ودورها في مساعدة القطاع على النمو والازدهار.
* اللوائح والأنظمة الداعمة للقطاع
هناك منافسة شديدة في القطاع بالإمارات، لذلك من الضروري أن يخضع لعملية «التصفية»، والفرز. ونتوقع خروج الأطراف المتعثرة من القطاع تاركين المجال للشركات القائمة لتتنافس وتتعاون وتنمو معاً.
دول العالم، ومن بينها دولة الإمارات العربية المتحدة، تنظر بجد في اتخاذ تدابير للتخفيف من أثر الوطأة التي نتجت عن الجائحة المستمرة حتى الآن، ومن المتوقع، ومن المحتمل أن تستمر سنة أخرى، من خلال ابتكار وسائل جديدة، وأفكار خلاقة لزيادة إنتاجية هذا القطاع، منها توفير الوقت، والكلفة، وزيادة الطاقة الإنتاجية أيضاً.
وسوف تسهم اللوائح والأنظمة، مثل (كود) دبي للبناء الجديد الصادر عن حكومة دبي في أعقاب تصفية شركة «أرابتك»، إلى جانب التقنيات الحديثة، في خفض التكاليف الإجمالية، وتعزيز الربحية لترسم في نهاية المطاف مستقبلاً جديداً لقطاع الإنشاءات.
التقنيات المبتكرة لتحسين العمليات التشغيلية
سيكون للتقنيات الحديثة دور رئيس في صياغة ملامح المستقبل الجديد لقطاع الإنشاءات، إذ ستسهم في تعزيز التعاون واتخاذ القرارات القائمة على البيانات، وضبط سلسلة القيمة على نحو أفضل.
وعلى سبيل المثال، يظهر استخدام الروبوت الآلي شيئاً فشيئاً في مواقع البناء في جميع أنحاء العالم، حيث يقوم بالتقاط الصور والمسح بالليزر في الأماكن التي لا يستطيع البشر الوصول إليها. كما أن هناك روبوتات تعمل على تعزيز سرعة وجودة أعمال البناء الاعتيادية.
علاوة على ذلك، برز استخدام الذكاء الاصطناعي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والطائرات المُسيّرة، ما أدى إلى تحسين الأطر الزمنية وتعزيز السلامة بمواقع البناء.
وسوف تسهم هذه التقنيات في تيسير التحول نحو مستقبل مستدام للمقاولين، والمطورين العقاريين.
* تغير المناخ كدافع للتغيير في القطاع
إذا ما وسّعنا نظرتنا لتتجاوز المباني، سنلاحظ أن خطر تغير المناخ آخذٌ في التزايد بقدر لا يمكن لقطاع الإنشاءات أن يغض النظر عنه. إذ سيترتب على ذلك أن يتحول الحصول على المواد المناسبة لتشييد مساحات صحية للعيش إلى أولوية.
وإدراكاً منها للتهديدات التي يفرضها تغير المناخ، نفذت الإمارات العربية المتحدة عدداً من المبادرات بما فيها استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء. وبتصنيف قطاع الإنشاءات مساهماً رئيسياً في اقتصاد الإمارات، يعي القطاع الأثر الذي يتركه على البيئة.
كما سيتزايد اهتمام الشركات بالأثر الكربوني والبيئي العام لتوريد مواد البناء، متجهة نحو المواد التي تستهلك قدراً أقل من الطاقة والمياه. كما ستشهد سلاسل التوريد تحسناً بطريقة تتيح الحصول على المواد المستدامة وذات الكفاءة في استهلاك الطاقة.
* تحوّل التركيز نحو الاستدامة
مع انتقالنا إلى عالم ما بعد جائحة فيروس كورونا، من الواضح أن أولويات البناء والتطوير العقاري ستتغير، ذلك أن سقف توقعات العملاء ومعرفتهم ومتطلباتهم سيرتفع.
لقد دفعتنا الجائحة إلى إعادة تقييم المساحات والأماكن التي نريد أن نعيش ونعمل فيها. إذ سيبحث السكان عن المباني الذكية التي تتميز بكفاءة استخدام الطاقة، وجودة الهواء الداخلي. وبالتالي، ستتصدر هذه الأنواع من المباني قائمة أولويات المطورين العقاريين في المرحلة المقبلة.
وستكون المباني الصحية عنصراً رئيسياً في مدن المستقبل، وسيتعين على الحكومات أن تعمل بشكل وثيق مع المطورين والمقاولين من أجل وضع اللوائح والأنظمة التي تكفل بناء جميع المباني، لا سيما المدارس والمستشفيات وفقاً لهذه المعايير بطريقة فعالة من حيث التكلفة.
وكما هو الحال في القطاعات الأخرى، أدت الجائحة إلى تسريع التغييرات التي كانت بصدد أن تتحقق بالفعل في قطاع الإنشاءات. فقد تباطأ عهد المشاريع الضخمة، وباتت الحكومات تحث الأطراف المعنية على بناء مستقبل مستدام لقطاع الإنشاءات والإسكان بشكل عام. إذ ستهتم مدن المستقبل بشكل أكبر بصحة الإنسان، متجهة نحو فرض السياسات التي تشجع على تحسين نوعية الهواء، وكفاءة استخدام الطاقة.
من هذا المنطلق، سوف تسهم التقنيات الجديدة المقترنة باللوائح والأنظمة المناسبة والمستخدمة بطريقة تمنح الأولوية للتنمية المستدامة، في تمهيد الطريق أمام مستقبل أفضل ومستدام لقطاع الإنشاءات.
* مدير عام شركة خانصاحب للصناعات