لقمان سليم.. المبدع والمثقف

00:21 صباحا
قراءة دقيقتين

يشعر الوسط الثقافي اللبناني والعربي، بالأسى والأسف، فعلاً لاغتيال الكاتب لقمان سليم في إحدى قرى الجنوب في لبنان، ومنذ البداية، لندع لقمان السياسي جانباً وندع مقدّمات وتداعيات الاغتيال وظلالها السياسية، ولنأخذ مقطعاً واحداً مهماً من حياة الرجل الذي تشير تركيبته الثقافية إلى نموذج متعدد الأصول الفكرية والتربوية، فهو مسلم، ووالده حقوقي برلماني، ووالدته مارونية، وزوجته ألمانية، وبعيداً عن السياسة التي يبدو أن لقمان سليم غرق فيها رغم إرادته بحكم أن لبنان برمّته مستنقع سياسي بكل أطيافه وتحالفاته واصطفافاته الحزبية والمذهبية والطائفية، بعيداً عن كل هذه الثقافة اللبنانية الأفقية بين نخبة سياسية يقال عنها في بلادها إنها فاسدة، تتماثل شخصية لقمان سليم مع كل ما هو نموذجي في الثقافة العربية، فهو ناشر أنشأ في العام 1990 دار الجديد للنشر في بيروت إلى جانب شقيقته رشا الأمير، وهي الأخرى وهج ثقافي آخر، شاعرة وإن لم تكن تكتب الشعر، فهي تعشقه، وبفضل مشاركتها في إدارة دار الجديد قبل نحو ثلاثة عقود صدرت عن الدار مجموعات شعرية لشعراء عرب وتحديداً من الخليج العربي.
زارت رشا الأمير الإمارات، وشاركت دارها (الجديد) مبكراً في معرض الشارقة الدولي للكتاب في تسعينات القرن العشرين، وتواجدت آنذاك في الشارقة مثقفة لبنانية هي وشقيقها لقمان الذي يبدو أنه لم يكن غارقاً في السياسة آنذاك، وليته ظل كذلك، بعيداً عن العبث والفوضى، نائياً بنفسه عن كل ما هو مجنون وخرائبي وغرائبي في لبنان الذي لم يترك أسوأ عادة في الحروب الأهلية وهي «كاتم الصوت».
ارتبطت دار الجديد باسمي رشا الأمير ولقمان سليم، وارتبطت أيضاً بالشعر وبقيم الثقافة الجديدة غير المسيّسة وغير المؤدلجة، وغير الموجهة لمصلحة أو منفعة آيديولوجية أو سياسية.
هناك جانب آخر في شخصية لقمان سليم، وهو الثقافة السينمائية، والأرشفة ذات الطابع الإنساني وبخاصة في المفاصل المأساوية التي شهدها لبنان في حربه الأهلية.
في داخل لقمان سليم ثمة شاعر ناءٍ بنفسه عن الكتابة، وإن كتب الشعر ففي حدود خجولة كما يبدو، وهو نقل إلى العربية قصائد «الخشخاش والذاكرة» لباول تسيلان، وعرّفنا بِ «توقيعات»، إميل سيوران، وله مع آخرين كتاب مشترك عن أنسي الحاج.
في مثل هذا النموذج المثقف في لبنان أو غير لبنان يبحث الكاتب عن الجانب الأدبي والإبداعي والإنساني في الضحية التي يشطبها من الوجود والحياة كاتم الصوت وإخوته وأخواته، فقد لا يموت كاتب ما في هذا العالم بعدد من الرصاصات، بل يموت بالقهر والذل والطغيان، وهكذا، فنموذج لقمان سليم ليس عربياً لبنانياً فقط، بل هو أيضاً نموذج عالمي موجود في أمريكا وروسيا والصين، بل في كل مكان يجري فيه تسييس الأفكار والأديان والمعتقدات ليتحوّل الإنسان بذلك ضحية للعنف والتوحش والإرهاب.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"