.. كان الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا 1936-2025، يخاف الطيران، ولم يقتنع، كما يقول، طوال حياته، بفكرة وجوده داخل طائرة في السماء أكثر أمناً من وجوده في غرفته، وظل في كل سفرة له في الطائرة يتصبب غالونات من العَرَق، ويقول إن الخوف من الطيران ليس هو الخوف من الموت، بل الخوف من الطيران في حدّ ذاته، ولم تنفع معه حبوب النوم أو الحبوب المهدّئة وهو على متن طائرة، إلى أن وجد الحل في القراءة..
لقد انحلّت عقدة صاحب نوبل 2010 بقراءته رواية قصيرة هي (مملكة هذا العالم) للروائي الكوبي أليخو كاربنتييه في أثناء رحلة طيران طويلة بين بيونس آيرس ومدريد، «.. استغرقتُ الرحلةَ كلَّها في قراءة الكتاب، وطوال ذلك الوقت كنت بعيداً عن مخاوفي..».
وعلى أي حال، فالقراءة لا تساعد فقط على التخلّص من عقدة الخوف على ارتفاع أكثر من 30 ألف قدم في الجوّ وبسرعة 800 ميل في الساعة، بل تساعد أيضاً على الجرأة في تعلم مهنة الطيران، وبخاصة إذا قرأت رواية (أرض البشر) للكاتب الفرنسي الطيار أنطوان دو سانت أكزوبيري، الذي تشاء الصدف أن يموت في حادث طائرة.
سافرتُ عشرات المرّات طوال حياتي، وكانت أوّل رحلة لي حين كنت في أوائل العشرين من عمري، وكانت من مطار دمشق باتجاه الجزائر، لكن كان يتوجب أن تتوقف الطائرة في رحلتها تلك في مطارين، في طرابلس الغرب وتونس، وكانت محنة هائلة من الخوف لم أعرف له مثيلاً، وتصببتُ عرقاً عند كل إقلاع وهبوط، وعند كل مطبٍّ هوائيٍّ ظننت حينها أن الطائرة تهوي باتجاه الأرض.
سيمر وقت طويل لكي أنام في طائرة أو أقرأ كتاباً، رواية أو مجموعة شعرية، إلى أن تبددت كل هذه المخاوف الآن، وأصبح بإمكان المسافر أن يكتب أيضاً في الطائرة..
قراءة الروايات الخفيفة الصغيرة متعة عالية في الطائرة، ولكن، المتعة الأكبر هي الكتابة، وبخاصة في رحلة شتائية، وتعتقد أنت أنك تكتب بين الغيوم، وأنّ الإلهام لا يحتاج إلى الهبوط عليك في الأرض، بل، هو موجود بالقرب منك، بين قطع السحاب الأبيض والرمادي، هناك في الأعالي التي يشقها هذا الوحش الحديدي الذي يحمل مئات من البشر والحقائب.
لكن الطائرة ليست وحشاً، إنها أجمل وسيلة نقل صنعها الإنسان بعيداً عن اليابسة، وفي الجوّ، حيث تشعر بأنك قريب من السموات، يغمرك شعور بالإيمان، والخفّة، والسرعة أيضاً، حيث تلتقي على الأرض أباً أو أمّاً أو صديقاً جلس ساعات بانتظارك.
اليوم، لا يقرأ الركاب كتباً في الطائرات، إنهم يمضون الوقت إما في النوم، وإمّا في متابعة شاشات العرض الفيديوي، أو يقضي البعض رحلته، وهو يتصبب عرقاً..
أجمل من الطائرة مطار الطائرة، مثلما، يقول الشعراء إن الطريق إلى البيت أجمل من البيت.. وفي كل الأحوال، التراب أجمل من السحاب..
