مهما اتسعت دائرة المعرفة الإنسانية، فإن القرآن الكريم يبقى دوماً مهيمناً عليها ومحيطاً بها؛ لأنه كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وقدرته وحكمته.
يقول الدكتور زغلول النجار في كتابه «الإعجاز العلمي في القرآن»: القرآن الكريم يزخر بالعديد من آيات النبات؛ حيث جاءت إشارات إلى النبات في أكثر من مئة موضع تضمنت عمليات الإنبات وإخراجه من الأرض وتباين أشكاله وأنواعه وألوان ثماره وتفاضل طعومها وفي هذا فيها دعوة للإنسان للتبصر والتأمل والتدبر؛ حيث يلفت في كثير من الآيات نظر الإنسان إلى التشابه الكبير بين عملية إنبات النبات من الأرض وعمليتي خلق الإنسان وبعثه من الأرض، تأكيداً على الوحدة بين الخلق والبعث وبين أصول الحياه على الأرض، ويحفل القرآن الكريم بالآيات التي تربط بين إحياء الأرض وبين إنبات النبات فيها. ومن هذه الآيات قوله عز وجل: «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ»، (الحج: ٥).
وهنا إشارة إلى تكوين التربة أساساً من المعادن الصلصالية ذات القابلية العالية لامتصاص الماء. ما يؤدي إلى زيادة حجمها واهتزازها وانتفاضها بمجرد نزول الماء عليها. وإشارة أخرى إلى الغازات الموجودة بين رقائق المعادن الصلصالية والتي يطردها الماء بمجرد وصوله إلى المسافات الفاصلة بين تلك الرقائق. ويعين الماء على انتعاش صورة الحياة في التربة، وعلى التفاعلات الكيميائية. كما يدل على دقة حجم حبيبات المعادن الصلصالية مما يحولها إلى الحالة الغروية بمجرد وصول الماء إليها، وهي حاله تتدافع فيها جسيمات المادة بقوة وبأقدار غير متساوية في كل الاتجاهات في حركة دائبة تعين على اهتزاز التربة وانتفاضها بشده إلى أعلى وهذا ما أدركه العلم في القرن العشرين.
الحب والنوى
في آيه أخرى يقول تعالى: «إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ»، (الأنعام: ٥٩).
وهنا إشارة إلى أن للبذور النباتية اسمين متمايزين مختلفين هما الحب والنوى، الأول يشمل البذور الهشة أي القابلة للطحن، وهي المستخدمة كمحاصيل غذائية أساسية للإنسان ، ومنها ذوات الفلقة الواحدة مثل القمح والشعير والذرة والشوفان، وذوات الفلقتين مثل الفول والحمص والبازلاء والعدس والترمس، أما البذور التي لها قدر من الصلابة فيطلق عليها اسم «النوى» مثل نوى البلح ونوى المشمش والخوخ.. إلخ.
ويغلف البذور بما فيها من جنين ومواد غذائية مكتنزة عدد من الأغلفة اللازمة لحمايتها من المؤثرات الخارجية. ومن هذه الأغلفة ما يتميز بالرقة مع أحكامها كما هو الحال في أغلب البذور، ومنها ما يتميز بالصلابة الشديدة مثل «النوى».
وهناك شروط داخليه وخارجيه لإنبات البذور منها وفرة الماء وشق التربة نتيجة لانتفاخ البذرة بالماء «بقوة الإنبات» وبدء نمو الجنين والزيادة التدريجية في حجمه، وهي عملية معقدة للغاية لا يقوى عليها أحد من الخلق ولا يمكن ان تتم بغير توجيه وهداية ربانية.
حقائق علمية
قال تعالى: «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (الرعد: ٤)، وفي هذه الآية الكريمة عدد من الحقائق العلمية منها أن الغلاف الصخري للأرض يتكون من عدد من الألواح المتجاورة، ويتكون كل واحد من هذه الألواح من ثلاثة أنواع رئيسية: صخور نارية، ورسوبية، ومتحولة. وتتباين أنواع التربة بتحلل تلك الأنواع المختلفة من الصخور، كما تختلف صور الحياة بتباين التربة ومختلف الظروف البيئية المحيطة بنا.
وتختلف الشيفرات الوراثية من نبات إلى آخر مما جعل لكل نبات قدراته الخاصة في استخلاص عناصر محددة من الأرض ليعطي ثماره وبذلك يفضل بعضها على بعض في الأكل، ولكل من ثمار الأعناب والنخيل من المميزات ما لا يتوافر لغيرها من ثمار النباتات الأخرى. وكذلك لأشجارها من الخصائص ما يميزها عن غيرها من الزروع.
وقال سبحانه وتعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ» (النحل: ٠١)، وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى دورة الماء حول الأرض وهي دورة يطهر بها الماء الأرض ولولا هذه الدورة المحكمة لفسد ماء الأرض وأسن. وما عاد صالحاً لشرب الإنسان أوالحيوان ولا لسقيا النبات وماء المطر النازل من السماء والثلوج المتساقطة معه يمثلان أنقى حالات الماء الطبيعي على سطح الأرض.
أماكن وأشجار
قال جل جلاله: «كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»، (البقرة: ٥٦٢).
وهنا إشارة إلى أن الروابي هي أنسب أماكن الأرض لزراعة أشجار الفاكهة وأشجار الثمار الأخرى وذلك لتميزها بلطف مناخها ، ووفرة مائها وزيادة فرص تعرضها لأشعة الشمس ومطر السماء ورطوبة الجو وحركة الرياح. فإذا نزلت بها أمطار تضاعف إنتاجها، والزائد على حاجتها يفيض إلى ما دونها بفضل جاذبية الأرض نظراً لارتفاعها عما حولها، وإذا تضاءلت الأمطار عليها فإنها تعطي ثمارها وافرة لتشبع الهواء من حولها بالرطوبة بسبب ارتفاعها «وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ»، (سورة: ق ٩-١١).
وهذه الآيات تأتي من صميم علم النبات، وتشير إلى القوى التي وهبها الله تعالى لأشجار النخل الطوال كي يمكنها من رفع العصارة الغذائية من التربة إلى قمتها مهما ارتفعت وهناك ما يقرب من عشرة آلاف زهرة على الطلع الواحد منضودة (أي متراكبة بعضها فوق بعض) فتأتي الثمار كذلك منضودة.
وتأتي الآية من سورة (المؤمنون) «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ». لتشير إلى عدد من الحقائق العلمية أهمها أفضلية زيت الزيتون على غيره من الزيوت النباتية لفوائده الصحية العديدة، والقيمة الغذائية لثمرة الزيتون، وأيضاً شجرته المباركة.
وهي من الأشجار دائمة الخضرة التي تحتاج إلى كثير من الرعاية، وأخشابها وثمارها لها صفات متميزة عن غيرها، وتشير إلى تميز شجرة الزيتون في طور سيناء بصفة خاصة.
سيقان إضافية
تتضمن الآية الكريمة «وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ»، (الفتح: ٩٢)، حقيقة علمية لم تكن معروفه في زمن الوحي ولا لقرون عديدة بعده، وهي حقيقة تكاثر النبات بالأشطاء وهي عبارة عن سيقان إضافية تنمو من براعم قاعدية عند المنطقة الفاصلة بين جذر وساق كل من القمح والشعير والشوفان وغيرها؛ حيث تنمو الساق الأساسية أولاً من داخل البذرة النابتة، ثم ينمو العديد من السيقان الإضافية التي تندفع من قاعدة الساق وقد يزيد عددها على الثلاثين في النبتة الواحدة، وسرعان ما تنمو حتى تصل إلى طول الساق الأصلية تقريباً وتعطي سنابل مثلها، وهذه الأشطاء تخرج متلاحقه الواحد تلو الآخر، وبهذا النمط من التكاثر فإن الساق الأصلية للنبات تحاط بعدد من السيقان الثانوية؛ حيث تنمو حولها، وتزيد من سمك النبتة الأساسية وتغلظ من قطرها وتمكنها من الانتصاب قائمة فوق مجموعها الجذري فتزيد من قدرتها على مقاومة هبوب الرياح وتبعد عنها الآفات والأعشاب الضارة وتضاعف من غلتها.
وهذه الآية تشبه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التفافهم حوله واقتدائهم به بالأشطاء حول النبتة الأساسية.