مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.
ولد ‏ ‏أبو‏ ‏الحسن‏ ‏علي ‏بن‏ ‏رضوان‏ ‏بن‏ ‏علي ‏بن‏ ‏جعفر، المعروف ب«علي بن رضوان» ‏‏بمصر‏ عام‏ 986‏ ميلادية ‏على ‏أغلب‏ ‏الآراء‏،‏ ‏وتوفي‏ ‏بها‏ ‏أيضا‏ً عام‏‏ 1067‏‏. كان والده فرّاناً، وأخذ علم الطب في مجالس أطبائها ولم يتجاوز الخامسة عشرة، ومارس التدريس ليكسب معاشه ويوفر ما يلزمه لاستكمال دراسته للطب والفلسفة. ‏لم‏ ‏يجد‏ ‏في‏ ‏عصره‏ ‏معلما‏ً ‏جيداً‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏فعلم‏ ‏نفسه‏ ‏بنفسه‏ ‏من‏ ‏كتب‏ ‏أبقراط‏ ‏وجالينوس، ‏ومارس‏ ‏الطب، ‏وتنقل‏‏ ‏بين‏ ‏مستشفيات‏ ‏مصر‏ ‏حتى‏ ‏أصبح‏ عالماً، ‏وترقى‏ ‏إلى ‏منصب‏ ‏رئيس‏ ‏أطباء‏ ‏مصر، ‏وصار‏ ‏طبيبا‏ً ‏للخليفة‏ ‏الفاطمي‏ ‏الحاكم‏ ‏بأمر‏ ‏الله‏.‏
كان‏ ‏ابن‏ ‏رضوان‏ ‏مولعا‏ً ‏بكتب‏ ‏أبقراط‏، وأضفى على قَسَم الأطباء الذي وضعه طابعاً عربياً إسلامياً. وكان‏ ‏شديد‏ ‏الجدل‏ ‏كثير‏ ‏الحوار‏. ‏دارت‏ ‏بينه‏ ‏وبين‏ أبو‏ ‏الحسن‏ ‏المختار‏ ‏بن‏ ‏الحسن‏ ‏بن‏ ‏عبدون‏ ‏بن‏ ‏بطلان‏ (‏ابن‏ ‏بطلان)‏ مشاورات، ‏و‏مراسلات‏ ‏ومناقشات، ‏حتى ‏كان‏ ‏كل‏ ‏منهما‏ ‏يأنس‏ ‏برأي‏ ‏الآخر‏ ‏في ما‏ ‏هو‏ ‏بصدده‏ ‏من‏ ‏أعمال‏ ‏أو‏ ‏مؤلفات‏ ‏أو‏ ‏أفكار‏ ‏أو‏ ‏كتابات. ‏و‏اختلف‏ ‏ابن‏ ‏رضوان‏ ‏مع‏ ‏ابن‏ ‏بطلان‏ ‏اختلافاً‏ ‏كبيراً‏ ‏حول‏ ‏إمكانية‏ ‏تعلم‏ ‏الطب‏ ‏بدون‏ ‏معلم، ‏التي‏ ‏كان‏ ‏يؤمن‏ ‏بها‏ ‏ابن‏ ‏رضوان‏. كما‏ ‏أنه‏ ‏انتقد‏ ‏ابن‏ ‏الجزار‏ ‏القيرواني‏ ‏في ما‏ ‏وضعه‏ ‏عن‏ ‏أمراض‏ ‏مصر‏ ‏في‏ ‏كتابه‏ «‏في‏ ‏نعت‏ ‏الأسباب‏ ‏المولدة‏ ‏للوباء‏ ‏في‏ ‏مصر‏»، ‏ورد‏ ‏على ‏كثير‏ ‏من‏ ‏أفكاره‏ ‏بكتاب‏ «في‏ ‏دفع‏ ‏مضر‏ ‏الأبدان‏ ‏بأرض‏ ‏مصر‏». ‏ويقول‏ ‏في‏ ‏أسباب‏ ‏أخطاء‏ ‏ابن‏ ‏الجزار‏ ‏إنه‏ ‏من‏ ‏المغرب‏ ‏العربي، ‏ولم‏ ‏يعاين‏ ‏مصر‏ ‏ولا‏ ‏أمراضها، ‏وإنما‏ ‏سمع‏ ‏بها‏. ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏انتقد‏ ‏أبا‏ ‏بكر ‏‏الرازي‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏ما‏ ‏أورده‏ ‏في‏ ‏كتابه‏ «‏الحاوي‏»، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏يجله‏ ‏حين‏ ‏يذكره‏ ‏ويضعه‏ ‏ضمن‏ ‏مراجعة‏ ‏مع‏ ‏أبقراط‏ ‏وجالينوس‏، ‏وله‏ ‏أيضاً‏ ‏انتقادات‏ ‏لآراء‏ ‏حنين‏ ‏بن‏ ‏إسحاق، ‏وأبي‏ ‏الفرج‏ ‏الطيب‏.‏
لم‏ ‏يتوقف‏ ‏اهتمام‏ ‏ابن‏ ‏رضوان‏ ‏على ‏الجوانب‏ ‏النظرية، ‏ولا‏ ‏على ‏ممارسة‏ ‏الطب؛ ‏بل‏ ‏امتد‏ ‏إلى ‏مجال‏ ‏التعليم‏ ‏الطبي، ‏ووضع‏ ‏فيه‏ ‏كتاباً‏ ‏هو‏ «‏النافع‏ ‏في‏ ‏كيفية‏ ‏تعليم‏ ‏صناعة‏ ‏الطب‏»، ‏وكانت‏ ‏لديه‏ ‏فكرة‏ ‏إمكانية‏ ‏تعلم‏ ‏الطب‏ ‏بدون‏ ‏معلم، ‏ولكن‏ ‏بشروط ‏من‏ ‏أبرزها‏ ‏عدم‏ ‏وجود‏ ‏معلم‏ ‏جيد، ‏وتوافر‏ ‏الكتب‏ ‏والمراجع‏ ‏الجيدة، ‏وجودة‏ ‏قريحة‏ ‏المتعلم‏ ‏وموهبته، ‏وإلمامه‏ ‏بعلم‏ ‏المنطق‏. ‏وذلك‏ ‏لأنه‏ ‏رأى‏ ‏عدد‏اً ‏كبيراً‏ ‏من‏ ‏أطباء‏ ‏عصره‏ ‏لايفهمون‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏جوانبه‏ ‏وأسسه‏ ‏وتفاصيله؛ ‏بل‏ ‏اتخذوه‏ ‏مهنة‏ ‏للتكسب‏ ‏فقط، ‏وكثير‏ ‏منهم‏ ‏لايعلم‏ ‏شيئاً‏ ‏عن‏ ‏الأدوية‏. ‏كما‏ ‏أن‏ ‏ابن‏ ‏رضوان‏ ‏وضع‏ ‏صفات‏ ‏للطبيب‏ ‏المثالي من وجهة نظره، فهو الذي اجتمعت فيه سبع خصال، الأولى أن يكون تام الخلق، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الروية، عاقلاً، ذكوراً، خير الطبع. والثانية أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب. والثالثة أن يكون كتوماً لأسرار المرضى لا يبوح بشيء من أمراضهم. والرابعة أن تكون رغبته في إبراء المرضى أكثر من رغبته في ما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الأغنياء. والخامسة أن يكون حريصاً على التعليم والمبالغة في منافع الناس. والسادسة أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة، لا يخطر بباله شيء من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأعلاء، فضلاً عن أن يتعرض إلى شيء منها. والسابعة أن يكون مأموناً ثقة على الأرواح والأموال، لا يصف دواء قتالاً ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة، يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه. ومعلم الطب هو الذي اجتمعت فيه الخصال بعد استكماله صناعة الطب، والمتعلم هو الذي فراسته تدل على أنه ذو طبع خير، ونفس ذكية، وأن يكون حريصاً على التعليم، ذكياً، ذكوراً لما قد تعلمه. كما‏ نصح‏ ‏الأطباء بضرورة‏ ‏معرفة‏ ‏الأعشاب، ‏واختبار‏ ‏الأدوية‏ ‏لأنها‏ ‏تتغير‏ ‏بمرور‏ ‏الأيام‏.‏
كانت‏ ‏مؤلفات‏ ‏ابن‏ ‏رضوان‏ ‏في‏ ‏مجالات‏ ‏الطب‏ ‏والصيدلة‏ ‏بشكل‏ ‏أساسي، ‏و‏اهتم‏ ‏بحصر‏ ‏هذه‏ ‏المؤلفات‏ ‏ابن‏ ‏أبي‏ ‏أصيبعة،‏ ‏ثم‏ ‏من‏ ‏بعده‏ ‏ماكس‏ ‏مايرهوف، ‏‏ومخطوطات‏ ‏ابن‏ ‏رضوان‏ ‏متناثرة‏ ‏في‏ ‏مكتبات‏ ‏العالم، ‏وكثير‏ ‏منها‏ ‏لا توجد‏ ‏أصوله‏ ‏باللغة‏ ‏العربية؛ ‏بل‏ ‏توجد‏ ‏ترجماته‏ ‏اللاتينية‏. ‏ونذكر‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏المؤلفات‏، «النافع‏ ‏في‏ ‏كيفية‏ ‏تعلم‏ ‏صناعة‏ ‏الطب‏»، و«‏التطرف‏ ‏بالسعادة‏ ‏إلى ‏الطب‏»، و«دفع‏ ‏مضار‏ ‏الأبدان‏ ‏عن‏ ‏أرض‏ ‏مصر‏»، ‏و«ما ينبغي‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏في‏ ‏حانوت‏ ‏الطبيب‏»، و«‏كفاية‏ ‏الطبيب‏ ‏في ما‏ ‏صح‏ ‏لدي‏ّ ‏من‏ ‏التجاريب‏»، و«الأدوية‏ ‏السهلة»، ‏و«دفع‏ ‏مضار‏ ‏الحلوى»، ‏و«عمل‏ ‏الأشربة‏ ‏والمعاجين‏»، و«شروح‏ ‏لكتب‏ ‏جالينوس‏»، و«‏رسالة‏ ‏في‏ ‏علاج‏ ‏الجذام»‏.‏ 
وكانت كتبه تبحث‏ ‏عن‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالمرض‏ ‏ليصل‏ إلى ‏أفضل‏ ‏طريقة‏ ‏لتحاشيه، ‏كما‏ ‏يبحث‏ ‏في‏ ‏أمور‏ ‏البيئة‏ ‏وعلاقتها‏ ‏بالإنسان‏.