ضمان جودة الهواء الداخلي أولوية أثناء الجائحة

00:04 صباحا

عبد الرحمن عبد العزيز خانصاحب *

إنه عام 2021 ولا تزال أخبار فيروس كورونا المستجدّ «كوفيد-19» تتصدر العناوين الرئيسية وتطغى على محادثات الجميع. وبعد مرور عام تقريباً على الإعلان عن انتشار جائحة فيروس كورونا المستجدّ عالمياً، بدأ قطاع البناء والتشييد في إيلاء اهتمام أكبر بتحسين جودة الهواء في الأماكن المغلقة، ومع إطلاق عمليات التطعيم وبدء العودة إلى الحياة الطبيعية بحلّتها الجديدة، سيشكّل ضمان جودة هواء الأماكن المغلقة وتهويتها عاملاً أساسباً في إقناع الناس بالعودة إلى ارتياد الأماكن العامة في إطار استراتيجية تضمن استدامة المباني الصحية.

وعند التطرّق إلى معالجة قضايا جودة الهواء الداخلي، يتعيّن علينا ألّا ننسى معالجة المشاكل الناجمة عن تلوث الهواء الخارجي، وذلك نظراً لارتباطه ارتباطاً وثيقاً بتوفير بيئة صحية في المساحات الداخلية، وفي هذا السياق أظهرت دراسة جديدة أن التلوث الناجم عن محطات الطاقة والمركبات تسبّب في زيادة هائلة في أعداد الوفيات على مستوى العالم في عام 2018، مسجّلاً ما يعادل ثلاثة أضعاف عدد الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا المستجدّ الذي بلغ 2.85 مليون حالة وفاة في وقت كتابة هذا التقرير، كما يُعد تأثير الجسيمات الدقيقة على أجهزتنا التنفسية جزءاً من تأثير التلوث، وهو ما يُمثّل قضيةً عالميةً لا بدّ من الاهتمام بها.

في هذا الإطار، حقّقت دولة الإمارات العربية المتحدة تقدماً كبيراً في قيادة المساعي المبذولة لمعالجة هذه المشكلة، لا سّيما في المباني المستدامة، وذلك من خلال وضع لوائح محدّدة للحدّ من الانبعاثات المرتبطة بالطاقة الصادرة عن قطاع البناء والتشييد، ووفقاً لتقرير «قطاع الأبنية الخضراء في الإمارات 2020» الصادر عن مجلس الإمارات للأبنية الخضراء، شُيّد ما مجموعه 63.96 كيلومتر مربع من المساحات المبنية في الإمارات العربية المتحدة وفقاً لأنظمة ولوائح الأبنية الخضراء أو برامج الاعتماد المحلية، كما تحسّنت جودة الهواء الخارجي في دبي بنسبة 17.7% اعتباراً من شهر إبريل 2020.

كذلك، دارت في الآونة الأخيرة مناقشات حول إمكانية قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بإصدار شهادات اعتماد ومعايير مخصّصة لضمان جودة الهواء الداخلي داخل أبراجها وناطحات السحاب المشيّدة على أرضها.

وهكذا، يُعد إنشاء نظام تهوية مناسب داخل المباني عنصرًا أساسيًا في ضمان جودة الهواء الداخلي والحفاظ عليه.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى التشابه بين الدور الذي تؤدّيه أنظمة التهوية والجهاز التنفسي للإنسان؛ فهذه الأنظمة تسمح بدخول الهواء وخروجه من المساحات بسرعاتٍ وأحجام ونسب محدّدة، سواء بوساطة أنظمة آلية أو طبيعية؛ كما تتيح نقله من الخارج إلى الداخل؛ وبذلك قد تتسبب في إدخال الملوثات إلى المساحات المغلقة في حال لم تتمّ معالجة ذلك بشكلٍ مناسب. 

ووفقًا لمعهد «WELL Building Institute»، فإن حوالي 65% من نسب التعرّض لتلوث الهواء الخارجي يحدث في إطار المساحات الداخلية، وهي نسبة تُثير الدهشة. لذلك، لا بدّ من ضمان جودة الهواء الداخلي والخارجي على حدّ سواء عند تصميم المباني.

هكذا، يتعيّن على المطوّرين مراعاة أهمية ضمان جودة الهواء الداخلي خلال مرحلة البناء والتشييد، لا سيّما عندما يحين وقت اختيار أنظمة التدفئة والتهوية والتكييف ومجاري الهواء، الأمر الذي من شأنه أن يمهّد الطريق لتشييد مباني صحية منذ البداية.

عواقب سوء جودة الهواء في الأماكن المغلقة

قد يعود تلوث الهواء في الأماكن المغلقة إلى عوامل عدّة ، من أخطرها الجسيمات الدقيقة التي تشكّل مزيجاً معقداً من الجزيئات الصغيرة الصلبة والقطرات السائلة، وقد يؤدّي استنشاق كميات زائدة من الجسيمات الدقيقة إلى ظهور العديد من المشاكل الصحية بدءاً من أمراض الجهاز التنفسي وحتى نقص المناعة، في الوقت الذي يشكّل فيه التعرّض لمستويات عالية منها، المصدر الرئيسي للوفيات من بين ملوثات الهواء الخارجي جميعها.

يُعدّ الأطفال الأكثر عُرضة لمثل هذا الخطر؛ حيث أظهرت الدراسات انخفاضاً في نسبة حضور الطلّاب وأدائهم في المباني ذات التهوية السيئة. وفي هذا السياق، يُشير معهد «WELL Building Institute» إلى ارتباط سوء الظروف البيئية السائدة في مكان العمل بخسائر في إنتاجية الموظفين بنسبة 10%.

وبصرف النظر عن انخفاض في الإنتاجية، يُعدّ التأثير المحتمل لسوء جودة الهواء الداخلي على الاستجابة المناعية مثيراً للقلق في ظلّ انتشار الجائحة، لذلك لا بدّ من أن يشعر الناس بالأمان في منازلهم ومكاتبهم وفي المساحات العامة حتّى يتمكّنوا من استئناف أنشطتهم الاقتصادية.

العامل الأهم لضمان جودة الهواء الداخلي

لا بدّ لنا من إيلاء اهتمام كبير لجودة الهواء الداخلي اعتباراً من مراحل البناء والتشييد الأولى، حيث يعمل دمج التصاميم الواضحة والمتقدّمة علميًا لأنظمة التدفئة والتهوية والتكييف عند تأسيس مبان جديدة وتجديد المباني القديمة على تمهيد الطريق لبناء وتشييد مبان صحية منذ البداية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن أنظمة التدفئة والتهوية والتكييف المصمّمة بشكلٍ غير مناسب قد تؤدّي إلى تراكم العفن، ما يؤدّي إلى ارتفاع مستويات الجسيمات الدقيقة المنتقلة عبر الهواء الداخلي على مرّ السنين.

كذلك، فإن مجاري الهواء التي تؤمّن الكفاءة الحرارية وتحدّ من معدلات الرطوبة من خلال القضاء على الجسر الحراري بين الهواء داخلها وخارجها، وبذلك تقضي على مشاكل التكثيف التي تؤدي إلى تكوين العفن، في الوقت الذي سيؤدّي فيه ذلك أيضاً إلى إيصال الكمية المناسبة من الهواء إلى الوجهة المحدّدة، وذلك من خلال تقليل التسرّبات وانخفاض الضغط، وبالتالي ستنجح مجاري الهواء المصمّمة خصيصاً لمراعاة هذه المبادئ في تصفية الجسيمات الدقيقة والحفاظ على نظافتها لفترة طويلة من الزمن وتحسين جودة الهواء الداخلي.

إضافة إلى ذلك، لا بدّ للمباني من التحقّق بانتظامٍ في مستويات تلوث الهواء الداخلي من خلال أجهزة الاستشعار، حتّى باتت عمليات مراقبة تلوث الهواء في الأماكن المغلقة أكثر شيوعاً في ظلّ نمو السوق العالمي لأجهزة استشعار جودة الهواء؛ إذ من المتوقّع أن تصل إيرادات ذلك القطاع إلى 1,26 مليار دولار بحلول عام 2027.

وقد قطعت دولة الإمارات العربية المتحدة شوطاً طويلاً في العمل على ضمان جودة الهواء الداخلي وجعل ذلك من أولويات قطاع البناء والتشييد لديها، حيث ستساهم الجهود الواعية التي يبذلها قطاع البناء والتشييد والأنظمة واللوائح الحكومية الصادرة بشأن تركيزات الجسيمات الدقيقة في الهواء الداخلي في تركيز اهتمام شركات البناء والتطوير العقاري على أنظمة التدفئة والتهوية والتكييف وجودة الهواء في الأماكن المغلقة.

* مدير عام شركة خانصاحب للصناعات

عن الكاتب

مدير عام شركة خانصاحب للصناعات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yfsz76oa