ها أنت مرة ثانية، وثلاثين، وثلاثمئة في الطريق إلى جلفار، ولأن الإنسان يحنّ دائماً إلى أماكنه الأولى، تأخذ الطريق القديم من الشارقة إلى رأس الخيمة الذي كنت تسلكه من رأس الخيمة إلى الشارقة قبل خمسة وثلاثين عاماً وأنت قادم إلى اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في شارع الميناء في الشارقة، لتنجز مع زملاء تحرير بعض مواد مجلة «شؤون أدبية»: عبد الإله عبد القادر، رعد عبد الجليل، عبد الحميد أحمد، مريم جمعة فرج، عارف الخاجة.. وبعض الأسماء ما زالت في صورة العائلة، والبعض سقط من الصورة، لكنه، لم يسقط من القلب والذاكرة.
الطريق، طريقك وأنت شاب في العشرينات من عمرك، من رأس الخيمة إلى الشارقة، ومن الشارقة إلى رأس الخيمة هو طريق روايتك التي لم تكتب بعد. طريق ذلك الشاب الذي يدخل للمرة الأولى في حياته معرض كتاب. معرض الشارقة للكتاب. لم يكن آنذاك معرضاً دولياً، ولكنه كان يوم عرسك ويوم عرس أصدقائك: أحمد راشد ثاني، عبد العزيز جاسم، عادل خزام، إبراهيم المصري، خالد البدور، نجوم الغانم، حمدة خميس، جمعة الفيروز، خالد الراشد، ثاني السويدي، حسن شريف، محمد كاظم.. والقائمة طويلة .
وها أنت في الستين من عمرك، وما من مرّة في هذا العمر وفي الأربعين وفي الخمسين سلكت هذه الطريق إلّا وعدت شاباً تتذكر رواية حياتك من مدينة إلى مدينة، ومن أصدقاء إلى أصدقاء.
في إحدى المناسبات الثقافية، قرأت شعراً في أمسية ثنائية جَمَعتْكَ وصديقك عادل خزام، وشاءت المصادفات العجيبة أن تكون على يدك اليمنى جبيرة من الجبس، وعلى يد الصديق اليسرى جبيرة أيضاً من الجبس لحادث طارئ. كانت صدفة،  جمعت شاعرين يقرأن قصائدهما وهما يبتسمان للحياة الجميلة التي ما زالت جميلة إلى اليوم.
كان حسن شريف يعرض أعماله الفنية على الأرض: حبال، أسلاك، كرتون، قماش. كان أغلب جمهور حسن آنذاك  من الأطفال، أما الكبار الذين كانوا يمتلكون تصوّراً مسبقاً جامداً عن الفن، فقد كانوا مصدومين تماماً وعلى العكس تماماً من الأطفال الذين كانوا يريدون اللعب بأعمال حسن شريف، وسوف يكبر أطفال حسن شريف، ويرون أن أعمال صديقهم «المفاهيمي» مُقتناة الآن في كبريات متاحف العالم .
ما من طريق من الشارقة إلى رأس الخيمة، أو، من رأس الخيمة إلى الشارقة إلّا ويُعيدكَ إلى ذلك الشاب الذي عرف معنى الجوهر الحقيقي للفن والشعر والكتابة والحياة هنا في الإمارات، كأن هذا الطريق البرّي الذي لا يتجاوز في طوله الزمني أكثر من ساعة هو عمرك أنت الآن: أكثر من ستين عاماً: حياة وأصدقاء وكتب وكتابة جعلت منك هذا الرجل المشبع بالحنين.
[email protected]