عمّان: «الخليج»
العراقة العمرانية والتفرّد في تصميم البيوت العتيقة والتعايش الإنساني لمختلف الأديان خصائص دعمت إدراج مدينة السلط الأردنية رسمياً على قائمة التراث العالمي خلال الدورة ال 44 لاجتماع منظمة الأمم المتحدة للتربية والتراث والثقافة (اليونسكو) الذي عُقد افتراضياً في الصين. المدينة الممتدة على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال غربي عمّان باتجاه بوصلة القدس ترتفع نحو 880 متراً عن مستوى سطح البحر وتُعد مركز محافظة البلقاء المعروفة بطبيعتها الخلاّبة. السلط تُوصف ب«المدينة المتحف» و«بيت اللمّة الكبير»، وذلك لاحتوائها على 657 مبنى تراثياً ضارباً في جذور المكان بعضها يعود لما قبل 1865 ميلادية، إضافة لالتفاف سكانها الذين يناهز عددهم 154 ألف نسمة، ضمن جلسات اجتماعية تحتضنها باحات منازلهم والميادين والأرصفة القديمة بين الحارات وفتحهم الأبواب أمام كل الزائرين للاستقبال على النهج العربي الأصيل إلى جانب تميّزهم بالعمل في مشاريع يدوية وحرفية تكافلية.

هذه الخصوصية منحت المدينة، بحسب لجنة لائحة التراث العالمي، لقب «مدينة التسامح والضيافة الحضارية» مع الإشادة بأسلوب الرعاية الاجتماعية بين سكانها ودعم ثقافة الوئام ونبذ الكراهية والإقصاء، الأمر الذي يؤكده بشر الخصاونة، رئيس الوزراء الأردني، في تعليقه على اختيارها بأن المدينة تمثل نموذجاً للعيش المشترك ومشاركة التقاليد الراسخة في منطقة حضرية واحدة، فضلاً عن تميزها بالطراز المعماري الأكثر عراقة.

السجلات التاريخية لم تحسم مصدر تسمية المدينة، فهناك من أعادها إلى أصول «سريانية» مرتبطة ب«سلطا»، وتعني حجر الصوان، فيما ربطها باحثون آخرون بدلالة الوادي الحافل بالأشجار أو الغابة الكثيفة، بينما أطلق عليها الرومان «سالتوس»، ومعناه أرض التين والعنب. وكانت السلط مركزاً لأسقفية تابعة ل«بصرى» ثم لمدينة البتراء في مرحلة لاحقة ودُمرت قلعتها الرئيسية في عهد المغول قبل إعادة تشييدها ثم واجهت مصير الإزالة مجدداً في العهد العثماني وتحولت إلى بقايا مترامية.

ينسب مؤرخون بدايات المدينة إلى تشييد القلعة في المرة الأولى عام 1220 ميلادية، لكن اكتشافات أثرية تنسبها لفترة أقدم،لاسيما بعد العثور على بقايا فخارية تسبق تلك المرحلة، فضلاً عن نقوش على قبور وُجدت جنوب شرقي المدينة دّلت على ما قبل القرن الثالث الميلادي.

ملتقى إنساني

في السلط مواقع قديمة تبرهن على الوئام الديني وتنسجم مع تجاور الكنائس والمساجد وتقاسم مبانٍ لإقامة شعائر تلتقي إنسانياً، وكانت حتى مطلع القرن العشرين أهم مدن إمارة شرق الأردن وتعد بلديتها، إلى جانب مثيلتها في محافظة عجلون الشمالية، الأقدم على مستوى المملكة.

البيوت «مدينة التسامح والضيافة الحضارية» متراصة ومتراكمة وتراكمها فوق بعضها حتى تبدو من بعيد مثل أقفاص بألوان وأشكال تشبه لوحة فنية جميلة. أما تضاريسها فتأخذ سياق التلال الجبلية وتضم حارات وأحياء كثيرة ما زالت تحتفظ بطريقة العمران الحجرية العريقة. شارع الحمام يعتبر شريان وسط البلد في المدينة وملتقى المشغولات اليدوية والأسواق التي تعبق برائحة التراث، فيما يفتح شارع الميدان مساحته الواسعة للتجوال والمشي مع استذكار اعتماده سابقاً كميدان للخيول، وفي الطرف الثاني هناك مقامات دينية لها مكانتها.

الرحلة بين الآثار المتباينة تضع الزائر أمام بقايا قلعة القلعة وقصر جابر الأثري ومئات المباني العتيقة شاهقة الارتفاع التي تتصدرها أبواب رصينة تروي خلفها حكايات إنسانية وسياسية واجتماعية مختلفة بعضها قررت إدارة المدينة تحويله إلى مقار مؤسسات رسمية أو السماح باستئجاره كمقاهٍ ومطاعم واستراحات تراثية دون المساس بأصالته.

الجولة بين هذه المباني تلفت الانتباه لحجارة كبيرة تميل غالباً للون الأصفر أو البني الفاتح وأسقف مقببة ونوافذ مقوّسة وجدران ملساء من الخارج ومنحوتة بمهارة من الداخل بينها متحف السلط الذي يستعرض عبر أقسامه تاريخ وحضارة المدينة ويعد أقدم متحف أثري في الأردن. وفي المقابل هناك مساحات طبيعية خضراء ومرافق سياحية بينها وادي شعيب وشلالات رميمين وسوق الإسكافية.

أسبقية

يُطلق على السلط «مدينة الأوائل» لأسبقيتها على صعيد المملكة بإنشاء أول بلدية عام 1881 ومسجد عام 1905، ومشروع رصيف عام 1927، وغرفة تجارية عام 1883، ومركز تعليمي خاص عام 1860، ومؤسسة تعنى بإعاقة السمع والنطق عام 1928، فضلاً عن أول مدرسة ثانوية رسمية تحمل اسم المدينة كانت لبنة تعليم من تقلدوا مناصب رئاسة الوزراء ومجالس تشريعية وقضائية وسياسية مختلفة.

كذلك انطلق من المدينة من أصبح أول مهندس وأول وزير معارف وأول معلمة وأول ممرضة على صعيد الأردن. وحسب سجلات السلط، شهدت أول جمعية للرفق بالحيوان، ومكتب بريد، ومستشفى، ومقهى ثقافياً، ومكتبة خاصة، وسلسلة أدراج أثرية تفصل بين البيوت المتراكمة على مستوى المملكة وتضم نحو 45 مؤسسة ثقافية.

نايف الفايز، وزير السياحة، يؤكد أن مقومات المدينة كانت كفيلة باستحقاق إدراجها على اللائحة العالمية وتوجيه رسالة سلام وتسامح وتعايش ممزوجة بالحفاظ على إرث المكان.

ويشير الفايز إلى تقديم ملف الترشح لأول مرة عام 1995 والثانية في 2017 قبل النجاح هذه المرة بما يدل على إصرار إيصال القيمة.

وذكرت لينا أبو سليم، مديرة وحدة «وسط السلط القديمة» وعضوة فريق عمل إعداد مسوغات الترشح، أن الملف ارتكز على التراث المعماري والازدهار التجاري قديماً وتقديم المدينة كنموذج للتآخي لتصبح سادس موقع أردني على لائحة التراث العالمي، إلى جانب مدينة البتراء الوردية وقصر عمرة الأثري ومدينة أم الرصاص التاريخية ووادي رم الصحراوي ومقر المغطس الديني السياحي.