الشارقة: علاء الدين محمود
مر عامان على رحيل الشاعر الكبير حبيب الصايغ، 20 أغسطس 2019، وتظل أعماله المميزة حية بين الناس، تتحدث عن قصة شاعر قدم تجربة إبداعية مختلفة من حيث الثراء والتنوع والتعدد والحس الإنساني الصادق، والرؤى الفكرية اللامعة، فقد كتب الراحل نصوصاً شعرية في كثير من المواضيع والقضايا، فكانت الإجادة والدهشة والتميز هي العنوان العريض منذ أول ديوان أصدره والذي حمل عنوان «هنا بار بني عبس.. الدعوة عامة» عام 1980، والذي تلته الكثير من الأعمال والمجموعات المميزة مثل: «التصريح الأخير للناطق باسم نفسه»، و«قصائد إلى بيروت»، و«وردة الكهولة»، و«رسم بياني لأسراب الزرافات»، وحتى ديوانه الأخير «كسر في الوزن»، كان الصايغ يكتب الشعر منه البسيط الذي يخرج من القلب بدفق شعوري وموسيقى كحفيف الأشجار، ومنه الذي يختبئ خلف الرمز، ينتظر التأويل، متنقلاً بإبداع من العمود الخليلي، إلى التفعيلة، إلى قصيدة النثر بمعرفة كبيرة لتقلبات الزمان ومنعطفاته التي تجعل من التحديث والتطور أمرين لابد منهما، فقد كان من الشعراء المهتمين بقضيتي الحداثة والتجديد.
ولعل أكثر ما يميز الصايغ، تعامله مع الشعر بمسؤولية كبيرة، فقد كان صاحب موقف ورأي، وهو من الذين وجدوا في الشعر رسالة ومعنى، فأولاه الاهتمام التام إلى حد أصبح فيه الشعر قضيته الأساسية، فكرس له حياته ووقته، يقول الصايغ: «الشعر يستحق، والشعر العربي يستحق، فهلا تعامل العرب مع الشعر بجدية أكبر، هلا منحوه نور العيون والقلوب ووضعوه في واجهة الانشغالات، هلا اعتبروه في أولويات حركة الحاضر والمستقبل»، وتلك الكلمات تشير إلى مدى الجدية في التعامل مع الأدب من قبل شاعرنا، والذي صاغ مواقفه الإنسانية والعاطفية والوطنية والحياتية داخل نصوصه التي تضج بالحياة والخير والحب والجمال، ومما يدل على الانشغال الكامل للصايغ بالمشروع الشعري، ذلك الإنتاج الغزير فقد توالت أعماله الشعرية حتى بلغت 10 دواوين.
انتماء
لا شك في أن العروبة كانت تشكل بالنسبة للصايغ هوية وموقفاً فكرياً، لذلك عبر عن الانتماء والدفاع عن العروبة من موقف فلسفي حملته نصوصه الشعرية، وبرز ذلك الأمر منذ ديوانه الأول «هنا بار بني عبس.. الدعوة عامة»، ولعل العنوان نفسه جاء وهو يحمل دلالات وإشارات الانتماء العربي، وكذلك عبر استعادته لشخصية عربية مؤثرة وهي عنترة بن شداد، فقد تمثل الصايغ الثقافة العربية دون أي ضجيج حزبي أو أيديولوجي، كانت العروبة هاجساً بالنسبة له، حملها في أشعاره حلماً ووعداً، ودافع عنها وعن الإرث والتاريخ العربي، وكانت سبعينات القرن الماضي مسرحاً لأمل عربي في التقارب والوحدة، ولقد تغنى الصايغ بذلك الأمل جاعلاً من الشعر فكرة تعبر عن مستقبل عظيم للأمة العربية.
كتب الصايغ الكثير من القصائد الوطنية، فقد كان يحمل هم الوطن في الكثير من نصوصه المحتشدة بالآمال العريضة في تقدم الإمارات ونهضتها، ولم يكتف الصايغ بالشعر فقط، فقد كان يلجأ إلى المقال الصحفي، يوضح فيه رؤيته ويخاطب به أكبر قدر من القراء، فكانت مقالاته الصحفية محتشدة بالآراء التي تتناول المواضيع الوطنية، والملاحظة المهمة في هذا السياق أن الشعرية لم تفارق الكتابات الصحفية للصايغ، وكذلك يحضر في قصائده ذلك المزج بين الوطن والحبيبة، ونلاحظ أن شاعرنا لم يتغن بالبلاد فقط من خلال قصائده، كما جاء في قصيدته «لو كنت»، بل كذلك ركز على المكان الذي يحتل مساحة كبيرة في أعماله مثل: «كسر في الوزن»، و«أسمي الردى ولدي»، إذ إنه في تلك النصوص يقص جانباً من سيرته، ويحكي عن الأمكنة التي شكلته وأسهمت في تكوينه الوجداني والعاطفي، وهو لا يبتعد هنا عن التقاليد العربية القديمة في الشعر، إذ كان الشعراء العرب القدامى يتناولون سيرتهم الذاتية من خلال الأمكنة التي عاشوا فيها.
انحياز
حفلت أعمال الصايغ بالأشعار ذات الطابع الرومانسي والغزلي، فقد تغنى بالحبيبة، وقدم رؤية فكرية شعرية حول قضايا المرأة منتصراً لها، ومنحازاً لحقوقها، فالمرأة في نصوصه لم تكن حبيبة فقط، أو الرفيقة أو الصديقة، بل وكذلك مشاركة في الفعلين الاجتماعي والوطني، فقد كان الراحل من أقوى الأصوات الداعية إلى الثقة في المرأة وفتح الأبواب أمامها للمشاركة في مختلف القضايا الاجتماعية والوطنية، وكان يناصر النساء في مجال الإبداع والأدب ومن أقواله: «إن ما أنجزته المرأة في هذه المجالات يدعو إلى الفخر لما يجسده من قيم الجمال والانتماء والأصالة والطموح وقد استفادت المرأة بذكائها ومبادراتها من أجواء الحرية والتسامح والحرص على صون الحقوق وإطلاق الفرص للمبدعين فقدمت تجربتها الثرية واستحقت أن تكون نموذجاً تتطلع إليه شعوب العالم في كثير من الإعجاب والتقدير».
تأمل وفلسفة
تحتشد نصوص الصايغ بالرؤى الفكرية والفلسفية، وبذلك التأمل العبقري في الوجود والحياة والموت، جعل من الشعر رسالة فكرية وفلسفية، ولعل قصيدته «أسمّي الردى ولدي»، والتي تعد من أجمل وأهم نصوصه، تشير إلى تلك القدرة العالية لدى شاعرنا في تضمين الموقف الفلسفي داخل النص الإبداعي، فالقصيدة نموذج لذلك التأمل الفكري العميق، خاصة في ما يتعلق بفكرة الموت، وكيفية التعامل معه عبر صنع حوارية خلاقة معه، فالنص جعل من الموت كائناً يعيش ويموت ويحاور ويناقش، فهو يقوم بتفكيك الموت وتفسيره بل واستنطاقه، حيث استطاع أن يقدم صورة مختلفة عن الموت وغير معهودة، وتلك واحدة من السمات التي يتميز بها نص الصايغ، فهو يرسم الصور غير المألوفة بأسلوبية مميزة، كما يتناول النص أفكاراً فلسفية في المقام الأول مثل الخلود والوجود، وكذلك القدرة على التقاط المواقف والتفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها أحد وتضمينها بالأسئلة الفلسفية، وبالتالي تحويلها إلى قيمة فكرية وجمالية، وذلك الأمر يشير إلى الثراء المعرفي الكبير الذي كان يتمتع به الراحل، لذا أراد لشعره أن يكون مختلفاً وزاخراً بالفكر والأسئلة الكونية والوجودية، فذلك هو دور المبدع الحقيقي، حيث صنع لنفسه بصمة خاصة به، ولم يرد أن يكون نسخة مكررة من شعراء سابقين، لذلك كان دائماً ما يقول: «الفاشلون وحدهم يجرؤون على استنساخ الشعر المجاني».
استقلال
كان الصايغ شاعراً مستقلاً يعبر عن موقفه الخاص، لذلك فإن كل نصوصه الشعرية ومقالاته الصحفية جاءت أصالة عن نفسه، في سياق سعيه وإصراره على أن يكون حراً في الشعر والثقافة لا يتبنى إلا ما يراه صحيحاً، وذلك الموقف نتعرف إليه من خلال نصه «التصريح الأخير للناطق باسم نفسه»، والذي يشير إلى استقلالية واعتداد بالنفس لدى شاعرنا، فهو ينشد الحرية لنفسه، في أن يقول ما يريد، فالقصيدة بمثابة بيان، يحدد الشاعر من خلاله وجهته وموقفه الحر الذي يشبه بالفعل موقف المثقف الحقيقي الذي لا يتبع غير ضميره.
كسر في الوزن
بلغ الصايغ حداً بعيداً في تطويع الشعر، بحيث تجرأ على الأطر والأقبية القديمة، لذلك حمل أحد نصوصه اسم «كسر في الوزن»، وهو بذلك يتجاوز تلك الصورة النمطية التي تعد الوزن شرطاً أساسياً في البناء الشعري، فالقصيدة النثرية تخرج عن الوزن وتحتفظ بانضباط موسيقي داخلي، ولكن الدلالة الأكبر للعنوان «كسر في الوزن»، هي البحث عن حرية النص والكلمات، بعيداً عن كل تقييد، وذلك يشير إلى شاعر جرب كل الأنماط، لكنه اكتشف ضرورة أن تكون الكلمات حرة، وضرورة الاهتمام بالمعنى، وذلك يشير أيضاً إلى رؤية خاصة بالشاعر في موضوع التجديد الشعري، لذلك فإن كثيراً من النقاد قد اعتبروا الصايغ بمثابة الأب الشرعي للقصيدة الحديثة في الإمارات.