سعد الدين دمشقي *

تبادر الشركات بشكل متزايد، إلى اتخاذ زمام المبادرة بشأن تحسين جودة حياة وسعادة الموظفين، وذلك من خلال طرح برامج منظمة تهدف إلى دعم الصحة النفسية والجسدية. ومن بين كبرى الشركات في الولايات المتحدة (تلك التي تضم 200 موظف أو أكثر)، طرحت 81% من الشركات نوعاً من برامج جودة الحياة في مكان العمل في عام 2020، وهي أعلى من نسبة 70% المسجلة في عام 2008، وفقاً لنتائج استطلاع «المنافع الصحية المتاحة من خلال أصحاب العمل 2020» الذي أجرته مؤسسة عائلة كايزر (KFF).

وفي دولة الإمارات، أعلنت الحكومة الاتحادية أن تعزيز جودة الحياة يمثل أولوية طويلة الأمد. وقد اعتمد مجلس الوزراء في الدولة مؤخراً، الاستراتيجية الوطنية لجودة الحياة 2031 الهادفة إلى جعل دولة الإمارات العربية المتحدة رائدة عالمياً في مجال جودة الحياة. وتتضمن الاستراتيجية التي تم الإعلان عنها في وقت سابق من هذا الشهر، 14 مكوناً وتسعة أهداف استراتيجية تركز على تحسين نمط حياة الأفراد من خلال تشجيع تبني أسلوب حياة صحي ونشط، وتعزيز الصحة النفسية الجيدة، وتبني التفكير الإيجابي.

ومن خلال الأنشطة المنظمة التي تركز على عوامل مثل التمارين الرياضية والنظام الغذائي، تهدف برامج جودة الحياة للشركات، إلى تشجيع الأفراد على اتباع أنماط حياة أكثر نشاطاً وصحة تساعد على الوقاية من المرض. وتشمل أنواع الأنشطة التي يتم تقديمها من قبل الشركات، عادة، عضويات في صالات التمارين الرياضية، والاشتراك في البرامج عبر الإنترنت، وجلسات الإقلاع عن التدخين ودروس التمارين الجماعية، كما تقوم العديد من الشركات بإعادة النظر في خيارات الوجبات التقليدية والوجبات الخفيفة واستبدالها بخيارات أخرى من الأطعمة والمشروبات الصحية.

تتمثل الطريقة التقليدية لتقييم فوائد هذه البرامج، في النظر إليها من منظور «العائد على الاستثمار» المبسّط؛ أي مقدار ما تم إنفاقه على البرامج ومقدار انخفاض تكاليف الرعاية الصحية للشركة نتيجة لذلك. إن «العائد على الاستثمار» المباشر لبرامج جودة الحياة يبقى محل جدل دائم، ولكن هذا لا يمنع الشركات من تبني مثل هذه البرامج ومواصلة تطويرها. ويلاحظ أن هناك مزيد من الشركات التي تتبع نهجاً مختلفاً لقياس مدى فاعلية هذه البرامج، بالتركيز على معايير «قيمة الاستثمار»، مثل الغياب والحضور والاستبقاء والأداء العام في الشركة.

وهذا بدوره يدفع الشركات إلى تطوير برامج أخرى تتيح لها التركيز أكثر على معايير قياس إضافية لجودة الحياة، منها على وجه الخصوص الصحة النفسية. لقد كانت الصحة النفسية في يوم ما من المحظورات، ولكنها اليوم أصبحت من المواضيع المفتوحة للنقاش، لا سيما في أعقاب جائحة كوفيد  19، التي أدت إلى تنامي الشعور بالقلق والاكتئاب. وقد دعا الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس، رئيس منظمة الصحة العالمية، إلى ضرورة التعامل مع احتياجات الصحة النفسية كعنصر أساسي في إطار جهود الاستجابة والتعافي من تداعيات كوفيد  19.

وكما هو الحال في أي بقعة أخرى من العالم، من الواضح أن المواقف تجاه مفهوم الصحة النفسية في دول مجلس التعاون الخليجي آخذة في التحول. فقد تم التغلب على العقلية النمطية وأصبح المرضى تدريجياً أقل تردداً في طلب العلاج. ويرى أصحاب العمل المواكبين للتغيرات المستجدة أن هناك طرقاً عديدة لدعم الصحة النفسية، بدءاً من توفير خدمات الاستشارة والعلاج. وفي ضوء الواقع الجديد الذي فرضته جائحة كوفيد  19، يصبح نمط العمل المرن أو الهجين من المواضيع التي تستأثر بالقدر الأكبر من الاهتمام، بالنظر لما لها من دور في تحسين الصحة النفسية؛ إذ إنها تمكّن الأفراد من تقليل وقت التنقل وتحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية. وتشمل الأساليب الأخرى لتعزيز الصحة النفسية، العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وجلسات التأمل الذهني.

وتشير استطلاعات الموظفين إلى أن هذه المبادرات مهمة بالنسبة لهم. فقد خلص استطلاع أجرته مؤسسة «آيتنا إنترناشيونال» مؤخراً حول صحة الموظفين على مستوى العالم، إلى أن 72% من المستطلعة آراؤهم في دولة الإمارات العربية المتحدة يقرون بأن توفير مزايا العناية بالصحة النفسية من قبل أصحاب العمل، تكتسب اليوم أهمية بالغة أكثر من ذي قبل. وأفاد 45% بأنهم عندما يعلمون أن صحاب العمل سيوفرون لهم مزايا دعم الصحة النفسية عندما يحتاجون إليها، فإن هذا سيساعدهم على أن يصبحوا أكثر إنتاجية في العمل.

وأصحاب العمل، بدورهم، يأخذون هذه المتطلبات على محمل الجد ويضعونها في الاعتبار ضمن ميزانيات التأمين المعدلة. ومن خلال تواصلنا مؤخراً مع شركات التأمين والعملاء، توصّلنا إلى أن المؤسسات على استعداد لإنفاق 2.5% بمعدل وسطي ​​على أقساط التأمين الخاصة بهم، لضمان تغطية جوانب الصحة النفسية في وثائق التأمين.

ولضمان تحقيق أعلى مستوى من المشاركة في أي من برامج جودة الحياة، لا سيما البرنامج المتعلق بجوانب الصحة النفسية، ينبغي على الشركات اتخاذ كل ما من شأنه إثبات جديتها في ذلك. ومن الضروري أيضاً أن يشرف على البرنامج قادة بارزون ومعروفون، مثل إحدى الشخصيات القيادية في مجال الرعاية الصحية واللياقة البدنية من خارج الشركة، كما يجب أن يكون أعضاء الإدارة العليا من المشاركين النشطين في أي برنامج.

وبإمكان الشركات اتباع طرق عديدة لتقييم النجاح النهائي لبرامج جودة الحياة الخاص بالموظفين، وفي حال النظر إليها من جوانب مالية بحتة، فهذا قد يؤدي إلى ضياع الهدف المنشود. إن توفر برنامج جودة الحياة خاص بالموظفين يشكل سمة مميزة للشركة، ويبرزها كشركة متطورة ذات تفكير مستقبلي، وتولي اهتماماً كبيراً بموظفيها، وهو بالضبط نوع الشركات التي يرغب معظمنا في العمل لديها.

* الرئيس التنفيذي الإقليمي في «SIACI» وسطاء التأمين