عادي

قمة سلوفينيا تكرّس الخلافات والفشل

23:10 مساء
قراءة 4 دقائق
صورة جماعية للزعماء الأوروبيين المشاركين في اجتماع سلوفينيا (أ ف ب)
كتب - المحرر السياسي:

يبعث حرص الأوروبيين على إعادة ترتيب بيتهم ودعواتهم لاستعادة دور القارة المفقود على المسرح العالمي، احترام العالم وتقديره. إلا أن كل الجهود التي بذلت حتى الآن لم تسفر سوى عن القليل من النجاح، بينما تواجه تلك الجهود تعقيدات طارئة تعكس تبايناً في استراتيجيات الدول الأعضاء، ورؤية كل منها لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي، وأوروبا المستقبل.

تجد القارة نفسها غارقة في خلافاتها السياسية في الوقت الذي تتسابق القوى الفاعلة عالمياً على اقتناص حصة من كعكة القيادة التي تخلى عنها الأمريكيون، أو كادوا، حيث يصبح الركون إلى السكينة وانتظار الآتي بحد ذاته عجزاً يقود إلى التخلف عن الركب. من هنا، تتجدد الدعوات الفرنسية والألمانية والإيطالية تباعاً، للمّ الشمل وتجاوز الخلافات العابرة وتسريع توحيد القارة، بحيث تستعيد هيبتها في عالم تتغير منطلقات ومعايير القوة فيه سريعاً.

وجاء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ليصب الزيت على نار المخاوف الأوروبية من الحلفاء على ضفة الأطلسي الأخرى، وفقدان الثقة بهم استراتيجياً. ورغم أن الأمريكيين حاولوا تهدئة الخواطر الأوروبية عبر إرسال وزير خارجيتهم إلى فرنسا على جناح السرعة، واتصال الرئيس بايدن مع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، لتأكيد أهمية التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلا أن أفعال الأمريكيين المتناقضة مع وعودهم هي التي تعمق الشعور بالقلق في القارة العجوز.

وكانت اتفاقية «أوكوس» التي أشّرت لحقبة غير مألوفة في التحالفات الغربية، وحرمت الفرنسيين من صفقة الغواصات مع أستراليا بقيمة 56 مليار دولار، الشعرة التي قصمت ظهر البعير، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ قرار بتوقف المفاوضات التجارية مع أستراليا.

فرنسا تستغيث بأوروبا

وبما أن الاتفاقية أصابت الفرنسيين قبل غيرهم، فقد كان طبيعياً أن تسارع فرنسا التي استدعت سفيرها في واشنطن، إلى الدعوة لعقد قمة أوروبية استضافتها سلوفينيا، باعتبارها الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي، للبحث في عدد من القضايا على رأسها الاستقلال الاستراتيجي والدور الأوروبي عالمياً، وتوسيع مشروع قوة الردع السريع للتدخل في الأزمات الطارئة عالمياً، إضافة إلى عدد من القضايا الداخلية وعلى رأسها ضم مجموعة من دول غرب البلقان وألبانيا إلى الاتحاد.

وقد دعا رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، القمة إلى حوار استراتيجي حول دور الاتحاد على الساحة الدولية، ما يتطلب، في رأيه، شراكة بين الأقوياء وتحالفات مع القوى الفاعلة على المسرح العالمي.

والحقيقة أن هذا المبدأ يحظى بقبول أغلبية الدول الأعضاء لكنهم مختلفون حول تفاصيل التنفيذ وطبيعة التحالفات المنشودة، خاصة تحديد الجهة التي يحقق التحالف معها مصالح الكتلة. فهناك من الدول الأعضاء ما يصر على مهادنة الروس، خاصة دول أوروبا الشرقية التي تخشى من تعرضها لغضب موسكو، وبالتالي تهديد أمنها عموماً، فضلاً عن حرمانها من الغاز الروسي، في وقت تثير أسعار الطاقة العالمية مخاوف حقيقية. وقد تسببت هذه المجموعة سابقاً بتعطيل عدد من القرارات الأوروبية، خاصة في ما يتعلق بفرض عقوبات على روسيا.

من جانب آخر يختلف الأوروبيون حول الموقف من الصين التي باتت الشريك التجاري المفضل لعدد من دول القارة، وهو ما عكسته معارضتها للتحريض الأمريكي ضد بكين في أكثر من مناسبة.

التمسك بالمظلة الأمريكية

لكن دعوات التخلص من المظلة الأمريكية تتصاعد في أوساط القيادات الأوروبية، بعد أن خذلت واشنطن حلفاءها في أفغانستان. وتدعو كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى اعتماد استراتيجية دفاع مستقلة، وتشكيل قوة ردع سريع، رغم أن دول البلطيق مثلاً، تصر على ضرورة الحفاظ على العلاقة مع واشنطن والبقاء تحت راية حلف شمال الأطلسي.

وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من إحراز تقدم في تأسيس صندوق دفاع مشترك للتعاون في صناعة الأسلحة، فإن الاتحاد الأوروبي لم ينشر بعد أياً من مجموعاته القتالية التي تصل إلى حجم الكتيبة خلال أي أزمة.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنه يتعين على التكتل الذي يضم 27 دولة بذل المزيد لمواجهة الأزمات على حدوده، وأن يكون مسؤولاً عن أمنه. أما رئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراجي، فقد كشف عن خيبة أمله في تحقيق إنجاز سريع على صعيد أمن القارة في المستقبل القريب عندما صرح بأنه إذا لم يكن لأوروبا سياسة خارجية مشتركة، فمن الصعب جداً أن تكون لها آليات دفاع مشترك.

انقسام جديد

وشهد اجتماع سلوفينيا انقساماً جديداً حول ضم ست دول شرقية إلى عضوية الاتحاد، هي: ألبانيا ومقدونيا وجمهوريتي الصرب والبوسنة، والجبل الأسود وكوسوفا. وقد أثار قرار وسط اعتمدته القمة يؤكد على استمرار دعم تلك الدول مالياً والحفاظ على خطط ضمها مستقبلاً، حفيظة الدول الست التي حرصت على تنفيذ كل الشروط التي طلبتها المفوضية الأوروبية من أجل التأهيل للانضمام، ومع ذلك خيبت القمة آمالها مرة أخرى.

وقال رئيس وزراء كوسوفو، ألبين كورتي: «بالطبع لديّ الكثير من الانتقادات، لكن ما زلت آمل أن يظل الاتحاد الأوروبي وفياً لوعوده بشأن عملية التوسيع».

وتسعى المفوضية الأوروبية للتأكيد أنها لا تزال أفضل خيار استراتيجي لدول المنطقة التي شارك قادتها الستة في قمة سلوفينيا في إطار استراتيجية طويلة الأمد للتكتل تهدف إلى تكوين «سياج» من الأصدقاء، يمتد من جنوب شرقي أوروبا حتى شمال إفريقيا.

وقالت أورسولا فون دير، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، ورئيس وزراء سلوفينيا، يانيز يانشا، عقب قمة الاتحاد الأوروبي إن أغلبية القادة أعربوا عن دعمهم لبدء المفاوضات لانضمام مقدونيا الشمالية وألبانيا، كما أعربوا عن دعمهم ضم دول غرب البلقان إلى الاتحاد الأوروبي.

وتعكس الدعوة التي تقدمت بها 12 دولة عضوا في الاتحاد، من أجل إنشاء جدار عازل لصد موجات الهجرة غير الشرعية، حجم القلق الأوروبي على صعيد الأمن، في وقت تتسارع فيه التغيرات الديموغرافية في المنطقة.

ويرى المراقبون أن مثل هذه الدعوات ما هي إلا تفسير واضح لأنماط التفكير الاستراتيجي لدى القيادات الأوروبية التقليدية التي تجد مكاسبها السياسية مهددة بفعل العوامل الداخلية، كما كشفت الانتخابات الألمانية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/4dhd5ukn