عن سقوط «الإسلام السياسي» في المغرب

00:24 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

شكّل المسار السياسي الذي سارت عليه المملكة المغربية نموذجاً فريداً، بما حمله من طموحات تنموية مواكبة لحركة التطور، والتحول العالمي على كافة المستويات، وبما يلائم العصر الحاضر على أرض الواقع.

ومما لا شك فيه أن الموروث الثقافي لدى المغرب كبير وعظيم وواسع وشامل، ومن هذا الموروث تنطلق السياسة في تصوراتها ورؤاها حول القضايا المحلية منها والدولية، وهي تصورات لها دلالات مشرقة تؤكد تحمل المسؤولية تجاه كل القضايا وما يواجهه المجتمع المغربي من مشاكل، لا بد لها من حلول جذرية على أرض الواقع، بعيداً عن المناكفات السياسية، والشعارات الإيديولوجية، وخاصة تلك الشعارات التي يرفعها تيار «الإسلام السياسي»، ومدى انعكاسات ذلك على وجدان وواقع الشعب المغربي.

لقد تحوّلت هذه الشعارات المرفوعة، عندما اصطدمت بالواقع، إلى ركام من الأوهام، خاصة بعد أن أدرك الشعب المغربي أن الشعارات الإيديولوجية الإسلاموية لا تتماشى مع مستقبله، فهي عند طرحها تبدو براقة، لكنها عندما تلامس الواقع تصبح سراباً يحسبه الظمآن ماءً، وسرعان ما تتكشف الحقائق على أرض الواقع، فأي طرح سياسي للتنمية الاقتصادية الشاملة يحتاج إلى الكثير من الصدق والوضوح والشفافية لترسيخ جذور الديمقراطية من ناحية، وخلق الوعي السياسي من ناحية أخرى، حيث تتصارع الأحزاب، بكل صدق وشفافية، للفوز بثقة الجماهير، والحزب الذي يحظى بثقة الجماهير، من خلال صناديق الانتخابات، يملك أغلبية مقاعد البرلمان، ومن ثمّ يحق له تشكيل الحكومة، ووضع أفكاره وتصوراته عن التطوير والتحديث في المغرب، حيز التنفيذ.

وإبّان موجة «الإسلام السياسي» التي اجتاحت دولاً عربية عديدة، فقد نجح حزب «العدالة والتنمية» ذو الإيديولوجيا الإسلامية في الحصول على أغلبية أصوات الناخبين المغاربة عام 2012، ما مكنه من السيطرة على أغلبية مقاعد البرلمان، وبالتالي تشكيل الحكومة، وقد نجح هذا الحزب في الفوز مرة أخرى عام 2016 بنفس القدر، لكن مع انحسار موجة الأسلمة، تراجع تأييد المغاربة لهذا الحزب الإسلامي، ففي الانتخابات التي جرت في الشهر الماضي، حل الحزب في المرتبة الثامنة، بعد أن كان في المرتبة الأولى، وتصدر حزب «التجمع الوطني للأحرار» بقيادة رجل الأعمال عزيز أخنوش، المشهد الانتخابي المغربي بحصوله على الأغلبية الشعبية، رغم أن هذا الحزب كان يصنّف على أنه حزب وسط ليبرالي، وعرف عنه عموماً بأنه حزب البورجوازية، لكنه نجح في أن ينال ثقة الناخبين.

ولا شك أن فوز هذا الحزب في الانتخابات، وحصوله على أغلبية أصوات الناخبين يؤكدان أن المشهد المغربي، بل والعربي عموماً، قد تغير، فصعود «الإسلام السياسي» ترافق مع فوضى هائلة ضربت دولاً عربية عديدة، وكانت الجماهير تبحث عن بديل يستطيع إنقاذها مما كانت تظنه بأنه ظلم وقهر تتعرض له من قبل النظم الحاكمة في بلدانها، ولأن الأحزاب الإسلامية قد ظلت خارج المعادلات السياسية في أغلبية الدول العربية، فإن اقتحام هذه الأحزاب للمشهد السياسي في عدة دول عربية كان أمراً طبيعياً، واستجابة لرغبة الجماهير في إحداث تغيير جوهري وليس شكلياً فقط. ورغم أن المملكة المغربية ظلت خارج نطاق الفوضى، إلا أن الجماهير فيها تعاطفت مع شقيقاتها في الدول العربية الأخرى، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسهم الأحزاب الإسلامية المغربية، ولا سيما حزب «العدالة والتنمية». وقد سمحت القيادة والدولة في المغرب لهذه الأحزاب بخوض الانتخابات، لامتصاص الحماس الجماهيري، ونجحت خطتها في الحفاظ على أمن واستقرار المغرب، ومنع وصول الفوضى إليه.

والواقع أن خسارة حزب «العدالة والتنمية» في الانتخابات هو دليل على أن الأحزاب الإسلامية لا تملك قابلية التطوير؛ لأنها أغلقت بابها على التحديث، ودفنت رأسها في الماضي.

ومهما حاولت هذه الأحزاب تقديم نفسها كبديل حضاري عن الواقع السياسي في هذه الدولة العربية أو تلك، فإن إيديولوجيتها القائمة على أساس إقامة المجتمع الإسلامي المتكامل، كما يصوره الخيال الشعبي، ستصطدم بالواقع الحالي المختلف عن الواقع قبل خمسة عشر قرناً. ومن هنا، فإن توالي سقوط الأحزاب الإسلامية في الدول العربية التي تسلمت الحكم فيها، هو إيذان بأفول شمس تيارات «الإسلام السياسي»، وعهد الحركات الدينية المتطرفة، لصالح ترسيخ استقرار الدول واكتمال عمليات التنمية فيها.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"