محمد خليفة
في عالم مخيف وقاتم استيقظ العالم على نشوب الحرب، وهي المحنة الكبرى للإنسان، تلك الحرب الملعونة المدمرة والعبثية، لا حدود لها ولا ضوابط، حرب تنطلق من دوافع إيديولوجية وسياسية، تقف وراءها مجموعة من الحجج والمبررات السياسية والأخلاقية الواهية.
إن الحروب، عبر التاريخ، لا ضوابط لها، تنطلق من دوافع همجية، كل طرف يهاجم ويدمر ويخرب ويقتل ويستبيح كل شيء، ويرى في نفسه بأنه يمثل قوى الخير التي تقاتل قوى الشر، ودفاعاً عن فضيلة السلام، ومن أجل العدالة والسلام وإحقاق الحق، في حين تقصف المدن بالصواريخ والطائرات ويقتل المدنيين الأبرياء والأطفال. فأي شر ينطوي عليه هذا العالم؟ وأي شر يمكن أن يوجد في عالم أكثر من هذا الشر؟ إنه عالم عناء وآلام، لأن الألم هو صور القتل الممنهج والمدمر التي صارت تملأ الشاشات حد التخمة، حتى غدت هذه الصور أقرب إلى وجبات يومية نستهلكها في كل الأوقات، الصور الواردة في متاهات المادية وجحيم الحروب، ومشهد العذاب، هذه المشاهد العنيفة المرهوبة في ظل هذا الهول المروع وهو أشد رهبة من التهويل، في ظل مشهد الاحتضار والعبث بأرواح البشر، في عالم يغص بالنشرات العاجلة والخطابات السياسية ومقاطع الحرب المباشرة.
من المؤلم أن نرى صور المدنيين تسحق تحت أقدام الهمجية وجنون التوحش، وكأن العالم يعيد أحداث التاريخ، وحقائق الواقع تؤكد أن ارتكاب تلك الفظاعات يعود في جزء كبير منه إلى أن مرتكبي تلك الجرائم يعانون جنون العظمة، حتى ظن بعضهم أنهم يصنعون السلام، ويقمعون قوى الشر على الرغم مما تسببوا فيه، على مر العصور، من فظائع لا حصر لها، وجلبت على الإنسانية من المظالم وأنواع القهر والفقر والبؤس ما يفوق قدرة الخيال، ويزخر به التاريخ ويصرخ به الواقع في كل أصقاع الأرض.
وتتخذ الحروب ذرائع شتى، وتلبس أقنعة أخلاقية، منها الحرب الدينية في هولندا التي كانت سبباً رئيسياً في وقوع حرب الثلاثين سنة بين عامي 1618 و1648. حيث إن الإمبراطورية الرومانية المقدسة الممثلة في النمسا وإسبانيا، والتي نصّبت نفسها حامية للكاثوليكية في أوروبا، قررت استئصال البروتستانتية من شمال أوروبا وخاصة من السويد وألمانيا وهولندا، لكن فرنسا رأت أن ذلك سيؤدي إلى حدوث تغيير في توازنات القوى، فانضمت إلى المحور البروتستانتي، وقاتلت أشد قتال ضد الإمبراطورية الرومانية، وقد نتج عن ذلك حدوث حرب طويلة دامت 30 عاماً، وأدت إلى موت ما يقارب 8 ملايين جندي ومدني من جراء المعارك والمجاعات والأمراض. وشهدت مدن ألمانيا انخفاضاً في عدد السكان بلغ 50%. وعلى الرغم من الخسائر البشرية الهائلة، لكن الشيء الذي أنتجته تلك الحرب هو «مبدأ الدول المستقلة»، وقد حصلت هولندا على استقلالها، ومنذ ذلك الوقت تم رسم الحدود بين الدول وأصبح مفهوم السيادة ضمن المبادئ الرئيسية التي قام عليها النظام الدولي الحالي.
وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف الحروب، حيث كانت أوروبا على موعد مع كارثة أخرى، وهي الحرب العالمية الأولى التي قررت فيها بريطانيا القضاء على ألمانيا، ومنعها من الوصول إلى حكم العالم، وقد دامت تلك الحرب 5 سنوات تقريباً. وبلغ إجمالي عدد الضحايا العسكريين والمدنيين فيها نحو 40 مليوناً بين قتيل وجريح ومفقود. وكانت الهدنة التي امتدت منذ عام 1919 حتى عام 1939، فترة لإعادة بناء الجيوش والعودة إلى ميدان القتال من جديد بين هاتين الدولتين. لكن نتيجة ما جرى كانت مغايرة لنتيجة ما جرى في الحرب الأولى. فقد طمست القوى الأوروبية كلها، وأصبحت تابعة للمنتصر الأول في الحرب وهي الولايات المتحدة التي استخدمت السلاح الذري لإرهاب الأعداء والعالم أجمع فقتلت به مئات الآلاف من اليابانيين. وتشير تقديرات المصادر الرسمية للخسائر البشرية إلى أن عدد القتلى في المعارك التي حدثت في تلك الحرب قد بلغ نحو 15 مليون عسكري، بينما تجاوز عدد القتلى المدنيين 38 مليوناً.
وتتجدد النزعة العسكرية اليوم في العالم، وتشكل الهجمات العدوانية الإيرانية على دولة الإمارات ومختلف دول مجلس التعاون عملاً يناقض مفهوم حسن الجوار والجغرافيا، فهذه الدول أعلنت أنها ليست طرفاً في هذه الحرب، بل ودعت، وفي المقدمة منها دولة الإمارات، إلى ضبط النفس، والعودة إلى مائدة الحوار، لكن أطماع قوى الشر، لحاجة في نفسها، أعلنتها حرباً على «الطاقة والممرات الاقتصادية».
لا شك أن البشرية كلها تمر اليوم بمنعطف خطِر للغاية لأن آثار ما يجري يطال جميع دول العالم، وهذا ما يمكن ملاحظته من ارتفاع أسعار الطاقة، والتي تؤثر سلباً في مختلف أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية، ولا أمل في الخروج من هذا المأزق الذي دخل فيه العالم، لأن من يملك القرار الرئيسي في إشعال الحروب، ربما قد لا يستطيع إطفاءها، وقد يحمل المستقبل مفاجآت كبيرة لا تخطر على قلب بشر.