خمسون عاماً من التقدم والرخاء

00:33 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. خليل حسين *

يصادف الثاني من ديسمبر/ كانون الأول اليوبيل الذهبي لدولة الإمارات، وهو حدث مفصلي في التاريخ الحديث والمعاصر لمنطقة الخليج العربي، لما مثّل ويمثل هذا الحدث من انطلاقة نوعية ذات صلة بالتكوين السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمنطقة جيوسياسية تقبض على موارد وخيرات تعتمد عليها أكثر من نصف البشرية.

وقد شكل اتحاد الإمارات السبع في العام 1971، تحدّياً نوعياً في ظل تحولات إقليمية ودولية استراتيجية، وتمكن الاتحاد وفي فترة قياسية صغيرة نسبياً من تقديم نموذج فريد لدولة استطاعت تقديم رؤى خلاقة في الحكم والسلطة، كما في العلاقات الخارجية في المحيطين القريب والبعيد، ذلك بفضل رؤى مؤسس الاتحاد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذي نسج سياسات داخلية وخارجية نقلت الإمارات نقلات نوعية ووضعتها في مصافّ الدول المتقدمة.

فقد تمكنت الإمارات في المجال الاقتصادي والتنموي، من تقديم صورة لنظام اقتصادي عصري انطلاقاً من التنوع وصولاً إلى اقتصاديات الرقم والمعرفة، والذي نقل بدوره دولة الإمارات إلى مصاف المجتمعات والدول الطامحة للعب أدوار ريادية ذات شأن للإنسانية والبشرية. فالإمارات التي انتقلت وبقفزات لافتة من دور دولة الرعاية لجهة الموقع والحجم في الاقتصادين الإقليمي والدولي، توجهت بخطوات ذات ثقة عالية في تكوين وإنشاء مجتمع السعادة والرفاهية، وهو طموح تتهيب له دول عظمى وتخشى من متطلباته وإمكاناته؛ ورغم ذاك وفي ظل انتشار جائحة كورونا مثلاً تابعت الدولة خططها وتقديماتها لتكريس وتثبيت مظاهر الرفاهية والسعادة في مجتمع متعدد الثقافات والرؤى، وهو أحد التحديات الكبرى لأي نظام في ظل ظروف صحية واقتصادية وتجارية ضاغطة جداً. وفي واقع الأمر، فالسعادة والرفاهية تتطلب إضافة إلى الاقتناع، القدرة على تأمين الظروف الموضوعية لذلك، وهي أمور يصعب ضبطها أو السيطرة عليها بسهولة ويسر، ورغم ذاك تخطت الإمارات تلك المصاعب والتحديات ونقلت مجتمعها إلى شعب مُرفّه وسعيد في ظروف استثنائية وواقع ضاغط.

والأمر لم يقتصر على الواقع الداخلي الاجتماعي، بل تعداه إلى عوالم أخرى، إلى الفضاء الخارجي، عبر أمل وطموح تمكنت أيضاً من تحقيقه بفاعلية عبر الوصول إلى كوكب المريخ بواسطة مسبار الأمل، وهو إنجاز علمي مشهود وعبر كوادر إماراتية متخصصة تخصصاً عالياً ودقيقاً في هذا المجال، وهو أمر يتطلب تصميماً وقدرات ومتابعات حثيثة للوصول إلى هدف نوعي محدد كالوصول إلى كوكب المريخ، وهو بطبيعة الحال أمل قد تحقق وبات جزءاً من إنجازات نوعية تحاول الإمارات مراكمتها والبناء عليها لمجتمع طموح وقادر، بفعل قادة يتقنون كيفية التعامل مع المستجدات والظروف العادية والاستثنائية على حد سواء.

لقد تخطت دولة الإمارات العربية المتحدة الكثير من الصعوبات المتصلة بالمحيط الجغرافي الحساس والدقيق، وتمكنت في أصعب الظروف وأشدها تعقيداً من نسج سياسات وسطية جمعت حولها بيئات وكيانات متباينة ومتناقضة أيضاً في مصالحها ورؤاها، ورسخت سياسات بدت صعبة إن لم تكن مستحيلة مع أطراف يصعب تقاطع مصالحها، ذلك بفضل واقعية سياسية اتسمت بالهدوء وبُعد النظر، ففي عز الأزمات وأشدها تعقيداً وتداعيات، حافظت الإمارات على مسافات واحدة من أطراف يصعب جمعها، بل وبدت في كثير من الأحيان قادرة وبكفاءة عالية على تحقيق إنجازات يشهد لها، عجز الكثيرون عن تحقيقها.

إن تقييماً موضوعياً ودقيقاً لمسار الاتحاد خلال خمسين عاماً، يثبت أن الإمارات اجتازت امتحانات تحسب دول عظمى حسابات لها، وباتت الإمارات حالياً في وضع الدولة التي كرست لنفسها مواقع إقليمية ودولية ريادية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وثمة من يطلق على هذا النهج والسلوك مدرسة يمكن الركون إليها للوصول إلى أماكن وآفاق غير مسبوقة.

* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"