لبنان والهروب الثالث

00:02 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. خليل حسين *

لم يعد بالنسبة للبنانيين قضية هجرة اعتادوا عليها وباتت سمة سلوكية في طريقة العيش ووسائله؛ بل بات الموضوع هروباً ثالثاً من واقع ربما لم يشهده مجتمع في تاريخ البشرية والنظم السياسية عبر التاريخ، فلبنان الذي ينفرد بين دول العالم بميزته السكانية التي تبلغ أربعة أضعاف خارجه أي 16 مليون مهاجر فيما الأربعة ملايين يتمنون الهرب إن تمكنوا، ذلك بفعل المآسي التي لا تنتهي.
  قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها هاجر من لبنان حوالي 330 ألفاً وهو رقم مهول لتعداد سكانه قبل تكوين الكيان قانونياً، وفي موجة الهجرة الثانية بلغت 990 ألفاً خلال الحرب الأهلية، وحالياً يبدو أن هروباً جماعياً يتحضرون له. وعلى الرغم من تزامن هذه الموجات مع الحروب والاختلالات الأمنية، فإن الأسباب الاقتصادية تبدو الدافع الأساسي لذلك. ثمة في لبنان أكثر من سبعين في المئة يعيشون تحت خط الفقر، برواتب لا تزيد على الثلاثين دولاراً، وسط انهيار تام للعملة الوطنية وغلاء أسعار تجاوز الستة أضعاف، وفي ظل غياب تام لمؤسسات الدولة وكأنها استقالت من وظائفها، وتركت أبناءها لقدرهم دون حسيب أو رقيب.
  ثمة توقف شبه عام للحياة لجهة العمل الإنتاجي والاستيراد والتصدير؛ حيث لا توفر للعملات الأجنبية، في وقت ازدادت مؤشرات البطالة على الستين في المئة، ووسط شلل شبه كامل للمؤسسات الرسمية بفعل الإضرابات المفتوحة لتصحيح الوضع القائم، فيما حكومة لا تجتمع في ظل انقسام سياسي طائفي عمودي حاد.
  يتميز الهروب الثالث بمؤشرات سلبية حادة ستترك آثارها الكارثية على التركيبة الاجتماعية السياسية وصولاً إلى طرح الكيانية اللبنانية كقضية استمرار من عدمه. ثمة أكثر من 270 ألف جواز سفر قد تم إصداره، ومعظمها من فئة العشر سنوات وهي دلالة مأساوية على التفكير الجمعي للبنانيين لعدم العودة، إضافة إلى نوعية طالبي الهجرة فمعظمهم من الفئات العمرية الشابة ومن الجنسين، ومن أصحاب التخصصات العليا كأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين وغيرهم من الشرائح المهنية الفاعلة، وهي تجاوزت ال 77 في المئة من مجموع المتطلعين إلى الهجرة أو الهروب الكبير.
 والملاحظ أن الأمر لا يقتصر على الشرائح متواضعة الدخل أو الإنتاج إنما ثمة موجة هجرة من الشرائح الميسورة ما يفقد الاقتصاد أحد الأذرع الإنتاجية. وبحسب تقارير البنك الدولي فلبنان لن يتمكن من العودة لوضعه الاقتصادي الذي كان سائداً قبل عام 2019 ، أي عند انفجار الأزمة قبل عشر سنوات قادمة، ذلك في أحسن الأحوال، ويمكن أن تصل إلى 19 سنة في أسوأ الأحوال، ذلك يعني أن كثيراً من اللبنانيين يتحينون الفرص للهجرة حتى الجماعية.
  بالمحصلة ثمة أرقام وتداعيات مرعبة في الواقع اللبناني المعاش، يبدأ في خلل التركيبة السكاني الحالي والمستقبلي، علاوة على الأثر المنتظر أيضاً في مشاريع الحلول الإقليمية إذا بدأت في ظل مئات آلاف النازحين واللاجئين؛ بل الملايين غير المسجلين في لوائح الأمم المتحدة، الذين يسهمون في انهيار الواقع السياسي والاجتماعي اللبناني. والأمر لا يقتصر على الهجرة الخارجية؛ بل يمتد إلى الهجرات الداخلية، الذي يرتفع بنسب ملحوظة بسبب الوضع الاقتصادي وخيارات اللجوء إلى الأرياف والقرى، الذي يمكن أن يعزز الفرز الاجتماعي والطائفي، والذي يسهم أيضاً في تأجيج الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية وصولاً إلى انفلات الأوضاع الأمنية.
  ربما ما ينتظر لبنان يتعدى الواقع الاقتصادي والاجتماعي، إلى طبيعة الكيان ونظام الحكم الذي يمكن أن يستمر به لاحقاً، ثمة متغيرات بنيوية حصلت في ظروف إقليمية ودولية تتهيأ لمتغيرات جيوسياسية، فهل سيتمكن لبنان من الاستمرار بصيغة مقبولة لأبنائه، أم أن الهروب الثالث سيحدد شكل لبنان وواقعه المأساوي؟ ثمة ماء في الفم السياسي اللبناني يصعب البوح به.
* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"