يرتبط علم السينوغرافيا، ومفهومها، ومصطلحها، عادة بالمسرح والعرض المسرحي ومكوّناته الصوتية والمرئية والحركية، وهناك العشرات، إن لم يكن المئات، من الدراسات التي كتبت تحت عنوان واحد هو «السينوغرافيا» وأغلبها، إن لم يكن كلّها، دراسات مسرحية تقارب بين عمل المخرج، وبين عمل السينوغرافي. وتقرّب لنا نظرياً هذه الدراسات معنى السينوغرافيا في المسرح، وهي مفيدة للقارئ الذي يريد الاتّكاء على ثقافة مسرحية قبل الذهاب إلى العرض، حيث هناك، على الخشبة، سيدرك عملياً وبصرياً وواقعياً الأثر الكبير الذي يُحدثه السينوغرافي المحترف في العرض المسرحي، حتى يكاد يكون السينوغرافي هو المخرج الثاني للعرض على الخشبة، بعدما كان هذا العرض نصّاً مكتوباً، ولكنه احتاج تماماً لخبرة وفكر السينوغرافي الذي اشتق عناصر تصميمه الصوتية والمرئية واللونية والديكورية أو الأثاثية من خلال النصّ نفسه.
تحضر إليك مثل هذه المقدّمات الضرورية التي تعود مباشرة إلى جوهر الثقافة المسرحية، وأنت تتابع الدورة الثانية عشرة لجائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي التي جرى تكريم الفائزين بها أمس الأول في دائرة الثقافة في الشارقة، والمهم هنا، أن هذه الدورة جاءت تحت عنوان: «المسافة بين الفن التشكيلي والسينوغرافيا».
علم أو فن السينوغرافيا لا يتصل فقط بالمسرح، إذاً، وإنما له صلة مباشرة بالفنون التشكيلية، وهي الصلة التي تشكّل ثقافة تشكيلية حيّة أوجدتها عبر اثنتي عشرة دورة جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي.
تأسست الجائزة في العام 2008 في الشارقة، وسبقها بالطبع جوائز تكريمية مسرحية، وهنا، فالخط الواصل بين المسرح والتشكيل قصير ولكنه متين يقوم على ثقافة فنية واحدة مصدرها: الخشبة أو الركح كما يقول إخوتنا المغاربة، ومرسم الفنان التشكيلي.
في إحدى صوره الإبداعية يبدو الفنان التشكيلي سينوغرافياً تماماً حين يتعامل، أولاً، مع فضاء مسرحي فارغ، يقوم بملئه بالأثاث والألوان والأصوات، والقماش، والضوء، والموسيقى.
العرض المسرحي إذا قَبَضْتَ على مشهد واحد منه بكاميرا فوتوغرافية وأخرجت هذا المشهد الفوتوغرافي عن سياقه المسرحي، فإن هذا المشهد صورة تشكيلية في حدّ ذاتها، لكن أصلها مسرحي.
بالطبع هذه مجرّد اجتهادات وانطباعات من خلال معايشة طويلة للعرض المسرحي، والعرض التشكيلي، لكن إذا أردنا اكتساب ثقافة مسرحية تشكيلية علمية وحقيقية، فيلزمنا العودة إلى المادة الثقافية الفائزة بجائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي وقوامها ثلاثة بحوث تقرأ، وتضاف إلى المكتبة العربية المتخصصة في المسرح والفن التشكيلي: «مقاربات بين السينوغرافيا والتشكيل»، «الفن التشكيلي والسينوغرافيا من المواكبة إلى التماهي»، ثم «اتصال الفنون الحديثة والمعاصرة بالسينوغرافيا».
ثلاثة كتب تقع في إطار ثقافة متخصصة للفنان التشكيلي، وللمسرحي، وللقارئ العادي، وراءها جائزة متخصصة أيضاً.
[email protected]