القاهرة: «الخليج»
«خمسون قصيدة»، عنوان المختارات الشعرية التي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بتقديم الناقد الدكتور محمد عبد المطلب، الذي يؤكد أن هذه الاختيارات، تلخيص لتجربة الشاعر جملة، وهي تجربة امتدت على مساحة أكثر من نصف قرن، شهدت فيه مصر والعالم تحولات سياسية كبرى، وكلها تدخلت على نحو أو آخر في إنتاج شعرية حجازي، أي أن الاختيارات لم تحتكم لذائقة هذا الشاعر الكبير فحسب، بل احتكمت إلى ارتباط قصائده بمواقف وأحوال وتجارب خاصة وعامة.
يقول الدكتور عبد المطلب: إن «قراءتي لاختيارات حجازي دفعتني إلى التوقف عند كل قصيدة ملياً أتأملها جملة، وأتأملها صيغة وفكرة شعرية، إذ أن رأيي الخاص أن حجازي هو صاحب«الصيغة الشعرية» المتفردة التي تدفع المتلقي إلى التغني بها كلما انفتحت ذاكرته على قصيدة من قصائد حجازي».
هذا التأمل قاد الدكتور عبد المطلب إلى تحديد المحاور الشعرية التي تقدمها مجموعة القصائد المختارة، وهي على وجه التفضيل عشرة محاور، ومن الممكن نقل عنصر من محور إلى آخر بالنظر في السياق العام لكل قصيدة، ذلك أن شعرية حجازي شعرية منفتحة على معنى أن ناتجها الدلالي يتجدد مع كل قراءة، ويمكن ترتيبها حسب ترددها في المختارات على النحو الآتي: ذكريات الطفولة والصبا – الصدام بين عالم القرية وعالم المدينة – إحساس الفقد – السفر الأبدي – الزمن – الأنثى – حرية الكلمة – السلطة – الموت – عالم الرمل والجهل.
حجازي واحد من أهم شعراء جيل الحداثة، ورائد من رواد شعر التفعيلة، قدم ديوانه الأول «مدينة بلا قلب» عام 1959 وأقدم قصيدة في الديوان «المخدع» مؤرخة يونيو 1954، ومن اللافت أن قراءة الأعمال الأولى للشعراء أو الأدباء تبدو عليها ملامح التجربة الأولى، لكن قراءة الديوان الأول لهذا الشاعر تشير إلى نضج واكتمال وصعود، ولذا أصبح محدوداً كماً، فقد بدأ يذيع شعره منذ عام 1955 وظل يتابع النشر حتى عام 2011 والمسافة الزمنية لهذا النشر تبلغ 56 عاماً.
مدينة بلا قلب
الحديث عن حجازي يقتضي معاودة الحديث عن ديوانه الأول «مدينة بلا قلب»، لأن إنتاج هذا الديوان صحبه موقفان متلازمان، أحدهما مادي، والآخر معنوي، الموقف الأول هو الرحيل من القرية إلى المدينة، بكل نواتجه النفسية والعقلية والروحية، والآخر هو الصعود إلى قمة الشعر، وهي القمة التي استقر فيها مغالباً مشقة الطريق، ومغالباً منافسة الكبار، وقد تغلب على ذلك، لأنه من أصحاب العزم، فقد كان رفاقه في القرية يصنعون تماثيلهم من الطين، أما هو فكان يصنعها من الحجارة، مغالباً المشقة التي يعانيها، مقارنة بما يعانيه رفاق طفولته، وهو ما عبر عنه في قصيدة «دفاع عن الكلمة».
يوضح الدكتور عبد المطلب أن المختارات الشعرية نسق ثقافي موغل في الموروث الثقافي الإنساني عامة، والعربي خاصة، فمنذ البدايات الإبداعية اتجه النقاد والشعراء إلى تقديم اختياراتهم، لتكون بين يدي القراء، وهو ما أشار إليه الجاحظ في مقولته: «شعر الرجل قطعة من كلامه واختياره قطعة من عقله».
اختيارات ذاتية
وتعتمد هذه الاختيارات نسقين متجاورين: «الاختيارات الذاتية» التي يوقع فيها الشاعر اختياراته على مجموعة من إبداعاته، لتكون بين يدي القراء، وهي عملية تحتكم إلى طبيعته الذوقية والعاطفية، أي إنها عملية عسيرة، لأن كل إنتاج الشاعر يسكن عقله وقلبه، ومن ثم تكون اختياراته مستندة إلى القلب والعقل معاً، وهذه الظاهرة قليلة بل نادرة في الثقافة العربية، بينما هي شائعة في الثقافة الغربية.
أما المسار الثاني فهو «الاختيارات الغيرية»، وهي تمثل ظاهرة ثقافية عند العرب منذ أن قدم «المفضل الضبي» «مفضلياته» في القرن الثاني الهجري، وهذه النوعية تحتكم إلى ذائقة المؤلف الذي يوقع اختياراته على مجموعة من القصائد الشعرية، لتكون محلاً لقراءته الجمالية والفنية، وهي اختيارات فردية تتعلق بأشعار جماعية، و«الاختيارات الغيرية» نادرة في مقابل «الاختيارات الذاتية» التي تنتمي إليها اختيارات حجازي في هذا الكتاب.