رغيد جطل

روى الأصفهاني في كتابه الأغاني أن تاجراً من الكوفة قدم إلى المدينة المنورة بخُمر، جمع خمار، فباعها كلها وبقي السود منها لم تقبل عليها النساء. وبقيت بضاعة كاسدة في وجه صاحبها، وكان التاجر صديقاً لشاعر مكي مقيم في المدينة المنورة اشتهر بالغزل، وكان له حظ من الغناء. ثم ما لبث أن تاب وأقلع عن الغناء وما عاد يقرض شعراً غزلياً. شكا التاجر لصديقه ما صار إليه أمر تجارته، قال له صديقه: لا تقلق سأبيعها لك. فأنشد قائلاً:

قل للمليحة في الخمار الأسود

ماذا فعلت بناسك متعبد

قد كان شمّر للصلاة ثيابه

حتى وقفت له بباب المسجد

ردي عليه صيامه وصلاته

لا تفتنيه بحق دين محمد

فانتشرت الأبيات بين الناس، وأقبلت النساء على الخمار الأسود، وباع الكوفي بضاعته، ومضى في سبيله وعبادته. ويقال: إن هذه الأبيات كانت أول إعلان تجاري في التاريخ.

خيانة الأمانة

أودع رجلٌ عقداً ثميناً أمانة عند عطار، فلما طلبه منه أنكر، فشكاه الرجل إلى الخليفة العباسي عضد الدولة.

فقال له الخليفة: اذهب واقعد أمام دكان العطار ولا تكلمه، وافعل ذلك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع سأمر عليك أنا وبعض رجالي وسأنزل عن فرسي وأسلم عليك فرد عليَّ السلام وأنت جالس. وإذا سألتك سؤالاً فأجب عليَّ ولا تزد شيئاً، وإذا انصرفتُ ذكّر العطار بالعقد. وفي اليوم الرابع مر الخليفة على الرجل، ونزل عن فرسه وسلّم عليه وقال له: لم أرك من مدة؟ فقال الرجل: سأمر عليك قريباً.

فلما انصرف الخليفة نادى العطار الرجل، وقال له: صف لي العقد الذي تتحدث عنه. فوصفه الرجل، فقام العطار وفتش دكانه وأحضر العقد.

فأخذه الرجل وذهب إلى الخليفة فأحضر العطار وعاقبه على خيانته.

أبو تمام والمعتصم

دخل الشاعر أبو تمام على الخليفة المعتصم، وقال له قصيدة يمتدحه فيها، وشبهه في أحد أبياتها بعمر بن معد يكرب في الشجاعة، وحاتم الطائي في الكرم، وإياس بن معاوية في الذكاء، وهؤلاء يضرب بهم المثل في هذه الصفات.

فقال:

إقدام عمرٍ في سماحة حاتمٍ

في حلم أحنف في ذكاء إياس

فأراد بعض الحاضرين أن يوقع بين المعتصم وأبي تمام فقالوا: لقد شبّهت أمير المؤمنين بصعاليك العرب.

فقال أبو تمام:

لا تنكروا ضربي له مَن دونه مثلاً شروداً في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس

فأسكتهم أبو تمام بذكائه، فقد وضّح لهم أن تشبيهه للمعتصم لا ينقص من قدره، فالله عز وجل قد شبّه نوره بنور مصباح في مشكاة.

نؤجر ويأثمون

خرج إبراهيم النخعي وسليمان الأعمش يمشيان معاً في طرقات الكوفة. فقال إبراهيم: إن الناس إذا رأونا قالوا أعور وأعمش، فقال سليمان: وما عليك أن يأثموا ونؤجر. قال إبراهيم: وما عليك أن نسلم ويسلموا خير من أن نؤجر ويأثمون فتفرقا عن بعض.

ذكاء طفل

حكى الأصمعي عن ذكاء الأعراب وحضور بديهتهم التي تتجلى حتى في صبيانهم، فقال: قلت لغلام حدث السن من أولاد العرب: أيسرك أن يكون لك مئة ألف درهم وأنك أحمق؟ فقال الغلام: لا والله.

قال الأصمعي: ولم؟ قال الغلام: أخاف أن يجني عليّ حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى عليَّ حمقي.

[email protected]