الشارقة: عثمان حسن

«ولنا أن نفسر العبقرية بمعناها الذي يفهمه الأقدمون أو بمعناها الذي نفهمه نحن المحدثين، فكلا المعنيين مستقيم في وصف عمر بن الخطاب، أتراها على كلا المعنيين شيئاً غير التفرد والسبق والابتكار؟ كلا، ما للعبقرية مدلول يخرج عن صفة من هذه الصفات، ومن يكتب تاريخ عمر فقد يجد في النهاية أنه يكتب تاريخاً «لأول من صنع كذا، وأول من أوصى بكذا» حتى ينتهي بسرد هذه «الأوليات» إلى عداد العشرات، تلك هي العبقرية التي لا يفرى فريها أحد، كما قال صاحبه وأعرف الناس به صلوات الله عليه».

الفقرة السابقة تفسر رؤية الأديب والمفكر عباس محمود العقاد لمعنى ومدلول العبقرية في كتابه «عبقرية عمر بن الخطاب»، وفي هذا التمهيد الموجز لمعنى العبقرية، يقف القارئ على سمات، بل مفاتيح شخصية الفاروق، رضي الله عنه، في مؤلف راعى فيه العقاد أن يكون موجزاً وشاملاً، كما هو في فصول الكتاب ال 12 وهي مرتبة كما يلي: «مقدمة»، «رجل ممتاز»، «صفاته»، «مفتاح شخصيته»، «إسلامه»، «عمر والدولة الإسلامية»، «عمر والحكومة العصرية»، «عمر والنبي»، «عمر والصحابة»، «ثقافة عمر»، «عمر في بيته»، و«صورة مجملة».

حرص

حرص العقاد في كتابه على أن يضيء على أنه لا يكتب سيرة الفاروق أو تاريخ عصره، بل أكد أنه إنما يكتب عن شخصيته، فيصفها أحسن وصف، ويدرس أطوارها ويقدم الدلائل على عظمتها، فيقول: «كتابي هذا ليس بسيرة لعمر ولا بتاريخ لعصره، على نمط التواريخ التي تقصر بها الحوادث والأنباء، ولكنه وصف له، ودراسة لأطواره، ودلالة على خصائص عظمته، واستفادة من هذه الخصائص لعلم النفس وعلم الأخلاق وحقائق الحياة، فلا قيمة للحادث التاريخي جل أو دق إلا من حيث أفاد في هذه الدراسة، ولا يمنعني صغر الحادث أن أقدمه بالاهتمام والتنويه على أضخم الحوادث، إن كان أوفى تعريفاً لعمر وأصدق دلالة عليه».

ورد عن الرسول الكريم قوله: «لو كان بعدي نبي لكان عمر»، ويكفي أن نسمع هذا القول من الرسول عليه الصلاة والسلام، لنفهم سمات هذه الشخصية كما جاءت في كتاب العقاد، فقد كان عمر عادلاً وحكيماً، وكان قوي النفس، ولم يكن ممن يندفعون إلى الغلبة والتوسع في الجاه والسلطان.

استند العقاد إلى كثير من الشواهد، في وصف عبقرية عمر، لعل أهمها ما جاء على لسان الرسول الكريم، وهو أصدق الخلق، في وصف هذه الشخصية الملهمة، فالرسول الكريم يقول: «لم أرَ عبقرياً يفري فريه، أي يجيد العمل الذي يقوم به». والرسول الكريم خبر هذه الشخصية في العديد من المواقف والحوادث، في السلم والحرب، فأكد نزاهته وخلقه وعدله، وحُسن معشره، وطيب سلوكه بين أقرانه، وفي تعامله مع المسلمين، قبل أن يتولى الحكم.

مزايا

في فصل «رجل ممتاز» يبرز العقاد العديد من مواقف عمر، رضي الله عنه، ويوضح من خلالها كيف أنه «رجل ممتاز» ومن طراز خاص، وهو يحلل تلك المواقف مشيراً لموطِن العبقرية فيه.

وفي فصل مهم بعنوان «عمر في بيته» ها هو العقاد يتحدث عن شخصية الفاروق في علاقته مع أسرته وأبنائه وأهل بيته، وهذا جانب يندر أن توثقه السِّيَرُ المكتوبة عن الصحابة، أما العقاد هنا، فيبرز مزايا عمر ومواقفه مع زوجاته، والنساء بصفة عامة، ويحلل تلك المواقف، وانعكاساتها على جوانب الإنسانية والإنصاف والرحمة في شخصيته.

ولعل أجمل ما وصف به العقاد دين عمر قوله إنه دين الرجل القوي الشجاع الذي ينتصر بدينه في ميدان الحياة، وليس بدين الواهن المهزوم الذي تركته الدنيا فأوهم نفسه أنه هو تاركها ليقبل على الآخرة.

دعوة

أَسَرَت شخصية عمر بن الخطاب القلوب وبهرت العقول، فقد كان، رضي الله عنه، قدوة في عدله، والعدل هنا، هو دعوة عملية للإسلام، وسار على نهج الرسول، صلى الله عليه وسلم، فامتازت سياسته بالعدل بين الناس واقعاً وتطبيقاً ونجح في ذلك نجاحاً منقطع النظير لأنه كما قيل: ورث القضاء من قبيلته وآبائه، من بيوت بني عدي الذين تولوا السفارة والتحكيم في الجاهلية.

ومارس الخطاب العدل وهو من أقطاب تأسيس الدولة الإسلامية، قبل ولايته الخلافة بسنتين، وكان مؤسساً لها يوم بسط يده إلى أبي بكر فبايعه بالخلافة، وحسم الفتنة التي أوشكت أن تعصف بأركان الدولة، وكذلك يوم أشار على أبي بكر بجمع القرآن الكريم، وفي إقراره للشورى كنظام حكم وفي غيرها من المواقف التي رسخت مفهوم الدولة الإسلامية.