يؤكد د.عبدالفتاح مصطفى غنيمة، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، أن التدين في جوهره سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه إلا الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأن هناك متدينين كثيرين يحسبهم الجاهل المهتم بالمظاهر الشكلية بعيدين عن الدين، لأنهم يعيشون حياتهم على نحو عادي في ملبسهم ومطعمهم ومسكنهم، في حين أنهم لا يؤذون أحداً وملتزمون بواجباتهم الدينية دون إعلان.

يقول غنيمة: هناك فريق من الناس من الجاهلين بحقيقة الدين يعتبرون أنفسهم متدينين لتمسكهم الظاهر بأمور شكلية لا صلة لها بجوهر الدين، وحرصهم الشديد على أن يضفوا على أنفسهم جواً مظهرياً يوحي بالتدين. والمشكلة أن هؤلاء يريدون أن يحملوا الآخرين على الاقتداء بهم في مظهرهم، والانخراط في دوائرهم المتشددة المتطرفة، ويعملون على نشر هذا التشدد بين الناس باسم الدين. ومن هنا رفض النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، التشدد في الدين قائلاً «إن الدين يُسْرٌ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، ومدح الله عز وجل التوسط في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، مثل قوله سبحانه وتعالى «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ» الآية (143) سورة البقرة.

ويضيف: اختص الله الأمة الإسلامية بالوسطية، لأنها الأمة التي اختصها بالرسالة الخالدة التي ختم الله بها كل رسالاته السابقة، والوسطية الإسلامية لها معانٍ عديدة، ومنها العدل، ومن هنا كانت الأمة الإسلامية شاهدة على البشرية، وذكر المفسرون في قول الله «قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ» الآية (28) سورة القلم، أن أوسطهم يعنى أعدلهم، ومن معاني الوسطية أيضاً الاستقامة أي استقامة المنهج والبعد عن الميل والانحراف، كما تعني أيضاً الخيرية، فخير الأمور الوسط.

ويوضح غنيمة أن «الإسلام في جوهره دين الوسطية والاعتدال، لا يطلب من أتباعه أن يعملوا للدنيا على حساب الآخرة، ولا للآخرة على حساب الدنيا، وفي ذلك يقول الله «وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» الآية (77) سورة القصص، وذهب ثلاثة من الصحابة إلى النبي الكريم يسألون عن عبادته ليقتدوا بما يفعل، فلما حكي لهم ما يفعله كأنهم تقالوها، أي اعتبروها قليلة بالقياس إلى ما يفعلونه، فقال أحدهم إنه يصلي الليل كله ولا يرقد، وقال الثاني إنه يصوم ولا يفطر، وقال الثالث إنه يعتزل النساء ولا يتزوج، وعندما سمع الرسول الكريم ذلك، قال: «أَما والله إني لَأخشاكم لله وأَتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأَرقد، وأَتزوّج النساء، فمَن رغب عن سُنتي فليس مني»، وهذا دليل على أن الوسطية والاعتدال منهج إسلامي يحمى من التطرف والتشدد، ولذلك ينبغي أن يقوم العلماء والدعاة بدورهم في بيان مخاطر التدين الشكلي والمظهري».

ويلفت غنيمة إلى أن وجهاً آخر لهذا التشدد «يتمثل في الميل إلى الإفراط في تحريم مباهج الحياة التي يسميها القرآن «الطيبات من الرزق» لدرجة أن هؤلاء المتشددين يجعلون من الإسلام قائمة طويلة من المحرمات، يجعلون من الدين عدواً للحياة، والتدين لدى هؤلاء يعني التجهم، ورفض كل ما يدخل السرور على الناس، على الرغم من أن التحريم في الإسلام لا يكون إلا بنص صريح لا يقبل التأويل، لأن الدين أرحم من هؤلاء بعباد الله عز وجل، ورسالة الإسلام جاءت في الأساس رحمة للعالمين».