ازدواجية التعامل مع حقوق الإنسان

01:00 صباحا
قراءة 5 دقائق

خرج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى النور من رحم الحرب العالمية الثانية التي تعد أحد الوحوش الضارية في التاريخ الحديث. لقد جاء هذا الإعلان رداً على المظالم المروعة التي كانت تحدث، وليكون درعاً نبيلة تحمينا جميعاً من سرقة وانتهاك «الحقوق والحريات الأساسية».
 يتكون الإعلان من 30 مادة، وقد صيغت أهدافه الأساسية بناء على خطاب الحريات الأربع الذي ألقاه الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في عام 1941، وتضمن أن حرية التعبير، وحرية العبادة، والتحرر من الحاجة، والتحرر من الخوف، هي حقوق أساسية يجب أن يمتلكها عموم البشر.
 لا يكاد عمر فكرة حقوق الإنسان التي أصبحت عنصراً أساسياً شائعاً في الخطاب العالمي الراهن يصل إلى ثمانين عاماً. لقد نجت الفكرة وحققت زخماً في أحيان كثيرة، لكن ما هي قوة هذه الاتفاقية الموحدة غير الملزمة قانوناً؟ وإلى أي مدى تتمتع قوتها بالحماية على أرض الواقع؟
 تواصل الحكومات انتهاك حقوق الإنسان على نحو يومي. وقد نصبت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مدافعاً عن هذه الحقوق وبررت باسمها حروبها الكبرى التي شنتها، في حين أن سجلها في مجال حقوق الإنسان مشين. فغزو العراق الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر، يشهد على حرب غير مبررة بحق بلد لا تربطه أي علاقة مع الإرهاب الذي ضرب مدينة نيويورك في ذلك اليوم المشؤوم.
 وعدت الولايات المتحدة العراقيين بضمان الحريات والحماية لهم، وكان الدافع هو المعرفة المؤكدة بامتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل. لقد تم غزو العراق، وتحييد صدام، ولم يقترب الشعب العراقي إلى اليوم من عتبات الحرية، وأسلحة الدمار الشامل ... إذ تبين أنها لم تكن موجودة أساساً. وفقاً لاتفاقية حقوق الإنسان، يجب تحميل شخص ما مسؤولية الفظائع التي وقعت خلال هذه الحرب، وكان ينبغي تقديم أشخاص ارتكبوا جرائم بناء على حجج واهية إلى العدالة. لم يحدث شيء من كل ذلك.
 تشير الأرقام إلى أنه حتى بعد ممارسة الجيش الأمريكي التعذيب وإساءة معاملة السجناء في سجن أبو غريب بالعراق، لا تزال مئات الحكومات تمارس الاضطهادات المخالفة لاتفاقية مناهضة التعذيب حتى يومنا هذا.
 تواصل الحكومة الإسرائيلية تجاهل قرارات الأمم المتحدة، وتنتهك القوانين الدولية بقصفها غزة، وترهيب المدنيين، وبناء مستوطنات بشكل غير مرخّص على الأراضي الفلسطينية. وتحتجز الحكومة الصينية مسلمي الأويغور في معسكرات اعتقال؛ حيث تتعرض شريحة كاملة من السكان لكافة أشكال الانتهاكات لإجبارهم على التنصّل من عقيدتهم. يتعرض الصحفيون للاختناق أو الإسكات برصاص يخترق السترات الواقية على يد حكومات لا تؤمن بأن حرية التعبير حق مشروع لكل شخص. هذه الحكومات تخشى الكلمة أكثر من خشيتها من السلاح. كما تظل حقوق المرأة في معركة مستمرة عبر أجزاء كثيرة من العالم؛ حيث التعليم كحق أساسي يبقى حلماً للكثيرات من الفتيات، وحتى أن حريتهن في تملك أجسادهن أصبحت مسألة قابلة للنقاش.
 وشهدت العقود الماضية اندلاع حروب عديدة، نجم عنها وفق الأمم المتحدة أكثر من 100 مليون نازح قسري يبحثون عن ملجأ لهم. مع هذا التدفق الكبير للمهاجرين، شهدت الديمقراطيات الغربية تحدياً على صعيد مثالية حقوق الإنسان لديها. كان رأي الاتحاد الأوروبي بشأن طالبي اللجوء من القضايا الرئيسية التي أدت إلى إلحاق ضربة كارثية بهم بخسارة المملكة المتحدة. ومع ازدياد أعداد المهاجرين وانتشار أخبار عالمية تفيد بوصول قوارب مملوءة بالمهاجرين إلى شواطئ الغرب، بدأنا نشهد كيف تراجعت مثالية هذه الحكومات، وفجأة وجدنا كيف أنها تتفاوض على تلك الحقوق التي هي غير قابلة للتفاوض أساساً.
 نسمع استخدام المصطلح نفسه عند تقديم حجج مختلفة على الطرف الآخر، لكن من خلال الأفعال يصبح جلياً أن التوضيحات لا تتوافق مع التبريرات، فنجد أنفسنا في حيرة ودهشة أمام النفاق الذي يوجّه هذه النقاشات ومدى وضوحهم في تصدير نموذج غريب عن المثالية.
 عادة ما تكون «حقوق الإنسان» مرادفة لكلمة «الديمقراطية» التي تعمم منذ البداية أن الحكومات غير الديمقراطية هي - بحكم تعريفها - حكومات تنتهك حقوق مواطنيها. يفقد القانون الدولي لحقوق الإنسان المنحاز بشكل مثير للجدل قوته الفعلية، على الرغم من أنه بالإجماع أحد أعظم الإنجازات الحديثة للبشرية. هذا القانون يشهد تحديات باستمرار، ويتعرض للتشكيك وحتى أحياناً التجاهل. لقد أدى تأثيره المنحاز للغرب إلى إصابته بالصمم تجاه المجتمعات غير الديمقراطية، كما أن آليات التنفيذ الملتبسة لديه جعلته عرضة للتحدي والانكسار. أي قانون غامض هو حكماً قانون خطير، لأنه يسمح بإساءة استخدام المفهوم أو إهماله أو ما هو أسوأ من ذلك، تسليحه. هذا هو السبب الذي يجعل الناس دائماً يتساءلون كيف تبرر دول معينة بعض المظالم على الرغم من أنها نفسها صاغت قانون حقوق الإنسان.
 تتصدر هذه الأسئلة النقاشات الأخيرة حول الحرب في أوكرانيا؛ حيث فر الأوكرانيون من القصف واستضافت الدول الأوروبية أكثر من 5 ملايين لاجئ في فترة أربعة أشهر فقط. إذا أخذنا هذا الأمر على نحو منفصل، فهو لفتة رائعة، ويجب أن تمتلئ الصدور بالفخر برؤية البشرية تتحرك بسرعة كبيرة لمساعدة المتضررين من الحروب بروح الإخاء، لكن للأسف، لا يمكن اعتبار هذا التحرك منفصلاً في حد ذاته. فالمفارقة تكمن في أن الحروب التي اندلعت في العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا وأجزاء من إفريقيا أجبرت الملايين على الخروج من بلدانهم المتضررة بحثاً عن ملاذ في هذه الدول نفسها التي استقبلت منهم - على مدار عقد - عدداً أقل من نصف عدد الأوكرانيين. تتعرض المملكة المتحدة اليوم لانتقادات شديدة بسبب خطتها لترحيل اللاجئين الروانديين وإفساح المجال أمام المهاجرين «الآخرين»، على الرغم من أن البعض منهم سيواجه ضرراً مؤكداً.
 يرغب المرء في الاعتقاد بأن إضفاء المثالية على حقوق الإنسان في الدول المتقدمة هو فكرة من شأنها صد كل الشرور وإغراق العالم في نهاية المطاف بإنسانية يستحقها كل شخص على وجه الأرض، لكننا نحيا في عالم من الواقعية الصرفة. لم يعد هناك أي مجال للمثل العليا في عالم تحكمه المصالح السياسية والمحفزات المالية والعقلية الفردية الراسخة. تتعرض المثل للتحدي والاختبار على نحو متواصل، لكن إذا كان يهمنا أمرها حقاً ألا يجدر أن تتربّع في قائمة الانتصار الآن؟ إن رؤية كيفية فشل الحكومات بشكل عام في احترام ما اعتبرته حقيقة مطلقة، تترك المرء متسائلاً: ألم يحن الوقت لإلقاء نظرة أخرى على اتفاقية حقوق الإنسان؟ وألم يحن الوقت لنجعلها اتفاقية ملزمة قانوناً؛ بحيث تكون تداعياتها الصارمة والحاسمة أبعد ما تكون عن النقض؟

[email protected]

عن الكاتب

​رئيس تحرير صحيفة Gulf Today الإماراتية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/42jxukxz