كيفية تحديث نظام المدفوعـــات الدوليـــة

22:19 مساء
قراءة 4 دقائق

كريستالينا غورغييفا *

شهدت العقود المتعاقبة تطوراً في نظام القواعد والآليات والمؤسسات التي تحكم الترتيبات النقدية وتدفقات رأس المال بين البلدان. ولمواصلة تعزيز الاستقرار المالي والتنمية الاقتصادية في كل مكان، يجب أن يستمر في التطور والتكيف في عالم سريع التغير.
وإذ نتطلع إلى تحقيق مستقبل رقمي، ينبغي أن يكون النظام قادراً أيضاً على الصمود في مواجهة عوامل التشتت المتنامية.
وقد زادت قوة هذه العوامل من جراء الحرب في أوكرانيا. ولم تقتصر العواقب على المعاناة الإنسانية، بل امتدت أيضاً إلى إحداث صدمة اقتصادية عالمية وزيادة حادة في مخاطر نشوب «حرب باردة جديدة». عالم يمكن أن يتفتت إلى «تكتلات اقتصادية» متفرقة، مما يخلق عقبات أمام تدفق رأس المال والسلع والخدمات والأفكار والتكنولوجيات عبر الحدود.
وتلك هي نفسها محركات التكامل التي عززت الإنتاجية ورفعت مستويات المعيشة، مما زاد حجم الاقتصاد العالمي ثلاثة أضعاف وانتشل 1,3 مليار نسمة من الفقر المدقع على مدار الثلاثة عقود الماضية. وبالتالي، فإن تكلفة التشتت ستكون باهظة - وسيلحق أكبر الضرر بأضعف فئات المجتمع وأكثر البلدان هشاشة.
وإزاء هذه المخاطر، يمكننا الاستسلام للاتجاهات السائدة التي تجعل العالم أفقر وأقل استقراراً، أو العمل بمزيد من الجد سعياً للوصول إلى مسارات تحول دون تشتت النظام النقدي الدولي - تماماً كما يجب أن نعمل معاً لمواجهة التهديدات العالمية مثل تغير المناخ.
ويتعين علينا أن نصمم وننشئ البنية التحتية التي من شأنها تيسير المزيد من التكامل. ويتضمن هذا تكثيف عملنا بشأن المدفوعات العابرة للحدود.
وعلى وجه التحديد، أود التركيز على مسألة إنشاء بنية تحتية عامة جديدة تربط بين نظم المدفوعات المختلفة وتنظمها، بغية التصدي لتشتت النظام النقدي الدولي.
ومن شأن ذلك أن يكون وسيلة جديدة للربط بين الأفراد والأسواق والاقتصادات في العالم الرقمي.
يجب علينا النظر إلى ما يرتكز عليه النظام النقدي الدولي - إلى أسس هذا النظام - ما أسميه نظام المدفوعات الدولية. تلك هي «الطرق والسكك الحديدية والجسور والأنفاق» المالية التي تسمح بتبادل العملات وتدفق رأس المال بين البلدان.
ويتضمن هذا النظام الروابط بين البنوك المراسلة؛ ونظم التراسل على غرار «سويفت»؛ وخدمات تحويل الأموال وشبكات بطاقات الائتمان؛ وكذلك أسواق الصرف الأجنبي، والترتيبات بين البنوك المركزية.
ومن الواضح أن نظام المدفوعات الدولية هذا ليس خالياً من العيوب.
فأداء المدفوعات عبر الحدود مكلف وبطيء ويفتقر إلى الشفافية وغير متاح لكثير ممن هم الأشد احتياجاً إليه. لماذا؟ لأن كثيراً من «الطرق» آخرها مسدود و«السكك الحديدية» تعمل على مسارات متباينة الاتساع، و«الأنفاق» غير مضاءة بالقدر الكافي. وحيثما يتعذر التشغيل المتوافق بين هذه الشبكات، يدخل الوسطاء ويبنون الروابط المطلوبة ويستقطعون مبلغاً لهم.
ومن الأمثلة الجيدة في هذا الصدد تحويلات العاملين في الخارج. فالتحويل الواحد تبلغ تكلفته المتوسطة 6,3%، أي أن حوالي 45 مليار دولار سنوياً تذهب إلى الوسطاء بعيداً عن المستفيدين النهائيين - بمن فيهم ملايين الأسر محدودة الدخل.
غير أن هناك تحدياً أكبر من ذلك، وهو أن نظام المدفوعات الدولية يواجه مخاطر متنامية من جراء التشتت. رسالتي الأساسية هي أن البلدان ينبغي أن تعمل معاً لبناء «طرق وسكك حديدية وجسور وأنفاق» جديدة - باستخدام منصات رقمية عامة لربط نظم المدفوعات.
ومن شأن هذا أن يجعل المدفوعات الدولية أكثر كفاءة وأماناً وشمولاً للجميع. ومن المهم أيضاً أن من شأنه الحد من مخاطر التشتت.
يتعين علينا استخدام أحدث المعدات، ولا سيما التكنولوجيات المتطورة.
إن إرسال الأموال عبر الحدود يمكن أن يتم بصورة شبه فورية ومجانية. ويمثل ذلك نتاجاً مهماً لعدة مشروعات تجريبية نفذها مجمع الابتكار في بنك التسويات الدولية بالشراكة مع عدد كبير من البنوك المركزية.
وتعد البنية التحتية العامة مكوناً أساسياً في هذه المشروعات التجريبية، وتتضمن المنصات الرقمية التي تساهم في تسهيل الاتصالات، والامتثال التنظيمي، والمنافسة بين مقدمي خدمات المدفوعات، وصولاً إلى تسوية المعاملات عبر الحدود - في نهاية المطاف.
وينطبق الأمر نفسه على فكرة إنشاء منصة تربط بين مختلف أشكال النقود التي ستستخدمها البلدان وتدعمها بشكل قانوني. ويتضمن ذلك الودائع في البنوك التجارية، وربما العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية أيضاً، وحتى بعض ترتيبات العملات الرقمية المستقرة (stablecoin) - إذا كانت جيدة التصميم والتنظيم.
ولكننا في حاجة إلى أكثر من مجرد معدات ذات إمكانات هائلة.
ويؤثر نظام المدفوعات الدولية بصورة مباشرة على النظام النقدي الدولي. لذلك فإن زيادة كفاءة المدفوعات ستؤدي إلى تغيرات مستمرة أيضاً في طبيعة التدفقات الرأسمالية.
وقد نشهد ارتفاعاً في التدفقات بوجه عام. ويمكن أن يساعد ذلك على إعطاء دفعة للاستثمارات المنتجة وعلى تكامل الأسواق - وربما نشهد المزيد من التدفقات إلى البلدان منخفضة الدخل، أو القطاعات التي كانت أقل استفادة من التدفقات في الماضي.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تنشأ عدة مخاطر نتيجة زيادة الكفاءة، بداية من زيادة خطر العدوى وتفاقم آثار التقييم في الأسواق المالية.
* مقتطفات من كلمة مدير عام صندوق النقد الدولي أمام مؤتمر صندوق النقد الدولي وبنك سويسرا المركزي في زيوريخ مايو 2022

عن الكاتب

مدير عام صندوق النقد الدولي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"