عادي

ماذا أضافت القمم إلى رصيد أوكرانيا؟

23:07 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب: المحرر السياسي
الضجيج الدبلوماسي والإعلامي الذي شهدته أوروبا خلال أسبوع قمتي السبع والناتو، لا يعكس قدرات على الفعل، بقدر ما يعكس أماني صعبة المنال يعيشها الغرب العاجز، والارتباك الذي ينتاب جهوده التي تحكمها معادلات المصالح المتضاربة، وتهديدات النووي الروسي وشح الطاقة وأزمة الغذاء العالمية، بينما يبدو الموقف الروسي من النزاع أكثر ثباتاً ويتطور خطوة خطوة، تبعاً لمقتضيات الأهداف المحددة.

كان لافتاً إعلان روسيا رداً على التصريحات النارية التي صدرت في أثناء انعقاد القمم وخاصة قمة الناتو في مدريد، والتي عالجت ملف ضم كل من السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، بعد سحب أنقرة معارضتها، إنه يمكن إنهاء القتال في أوكرانيا، خلال يوم واحد فقط، وذلك بمجرد إعلان كييف الاستسلام. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف قوله، إن وقف الحرب بيد أوكرانيا إذا أصدرت كييف أمراً لقواتها بالاستسلام.

وشهد الأسبوع الماضي إرسال قاذفات روسية ضخمة من طراز «تي يو 32إم» لضرب العاصمة الأوكرانية بالصواريخ من الأجواء البيلاروسية. في الوقت نفسه تسارعت وتيرة سيطرة القوات الروسية على المدن شرق أوكرانيا التي كان آخرها السيطرة على سيفيرودونيتسك والانتقال إلى منطقة ليسيتشانسك المجاورة.

واستهدفت الضربات الصاروخية الروسية مدينة كييف ووسط مدينة تشيركاسي، ومنطقة خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا إلى جانب تشيرنيهيف في الشمال وجيتومير ولفيف غربي العاصمة. كما تعرضت منطقة ستاريتشي في لفيف على بعد 30 كيلومتراً فقط من الحدود مع بولندا العضو في الناتو، للقصف أيضاً.

وهذا ينذر بتصعيد غير منضبط للمواجهات، ربما يكون من أهم الدوافع وراء طلب الرئيس فلوديمير زيلينسكي الذي تتهاوى المدن أمام أعينه ويحل فيها الدمار، من الغرب خلال كلمته التي ألقاها بالفيديو أمام قمة مجموعة السبع، العمل على إنهاء الحرب قبل نهاية العام.

وقد شدد زيلينسكي على أن ظروف المعركة ستجعل الأمر أكثر صعوبة على قواته أثناء القتال، وإذا تجاوزت الحرب فصل الشتاء فإنها تنطوي على خطر أبعد من ذلك بكثير. وتعكس هذه التصريحات شعوراً باليأس فرضته تطورات المعارك على الأرض في الوقت الذي يتحرك داعموه في الغرب، وفقاً لمصالح ورؤى خاصة بكل دولة، وليس وفقاً لما تمليه الضرورات اللوجستية في سير المعارك.

وتوحي تحركات الجانبين على الصعيد الدولي، سواء منها قمم مجموعة السبع والناتو أو زيارات بوتين لدول الجوار الجنوبي لروسيا وحضوره قمة بريكس،أن نهاية الحرب ليست في المدى المنظور، وربما لا تخضع لقرار طرف بعينه.

وفي الوقت الذي ركز زعماء الدول الغربية في تصريحاتهم على ضرورة ألا يربح بوتين الحرب، لأن في ذلك يعد تهديداً مؤكداً للكثير من الدول الأوروبية، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يشكلان تحالف حرب ضد روسيا.

والغريب في موقف دول الغرب استمرارها على التأكيد بعدم رغبتها في خوض حرب مباشرة مع الروس، وسط مخاوف من استخدام الأسلحة النووية خاصة بعد أن وعد بوتين الرئيس لوكاشينكو بتسليم بيلاروسيا صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، بينما تستمر دول الغرب في ضخ كل أصناف الأسلحة، وتمعن في تشديد العقوبات على روسيا.

مواقف متضاربة

فقد كرر المستشار الألماني، أولاف شولتز ذلك الموقف عندما قال إن قادة مجموعة السبع متمسكون بموقفهم الموحد في دعم أوكرانيا، مع الحرص على عدم تفاقم الصراع.

وأضاف «نحن نناقش جميع الموضوعات المطروحة على جدول الأعمال، ولا سيما البقاء متحدين في دعم أوكرانيا ضد العدوان الروسي، مع الحرص على تجنب«صراع كبير بين روسيا والناتو».

وفي وقت سابق قال الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كان يعول على«تشظي وانشقاق»حلف شمال الأطلسي ومجموعة السبع«لكننا لم ولن نفعل ذلك».

لكن مراسلين صحفيين يشاركون في القمتين قالوا إن الوحدة الغربية بشأن الحرب قد تعثرت في الأسابيع الأخيرة، إذ ناقش بعض القادة العلاقات طويلة الأمد مع روسيا، وشدد آخرون على الدعم القوي والدائم لأوكرانيا.

وكان الأمين العام للناتو، ينس ستولتنبرغ أعلن، أن الحلف سوف يزيد عديد قواته ذات الجاهزية العالية، إلى أكثر من 300 ألف عنصر، موضحاً أنه، بالإضافة إلى ذلك،سيتم نقل المزيد من الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي؛ وسيتم تخصيص القوات مسبقاً للدفاع عن أعضاء معينين في الناتو على الجبهة الشرقية للحلف.

وإذا كانت الحشود الغربية وما رافقها من ضجيج، تعكس تأكيداً لحرص الغرب بقيادة الولايات المتحدة على استمرار الحرب في أوكرانيا لاستنزاف الروس، فمن غير الواضح ما إذا كانت واشنطن قادرة على ضبط تحركات حلفائها طبقاً لما تقتضيه رؤيتها وأهدافها، خاصة أن الحرب في أوكرانيا تشكل أكبر تهديد استراتيجي لأهم حلفائها في الاتحاد الأوروبي خاصة فرنسا وألمانيا. ولعل هذا ما يمنح الروس حيز مناورة أوسع وأطول مدى في الوقت الذي لم تسفر مساعي الدول الأوروبية لتأمين بدائل للغاز الروسي عن الكثير من النتائج.

وتتفاعل أزمة السلع الغذائية بوتائر أسرع من مجريات المعارك على الأرض، بينما يحث الغرب الخطى لضمان تنشيط البنية التحتية في دول العالم النامي، بحيث يتم تعويض جزء من الفاقد من المحاصيل الروسية والأوكرانية،حيث أعلنت قمة السبع عن تخصيص 600 مليار دولار لتلك المشاريع، تبقى سلاسل التوريد العالمية المعطلة عائقاً رئيسياً في وجه تنفيذ الخطط الاستراتيجية على هذا الصعيد، الأمر الذي يجبر صنّاع القرار الذين تحاصر الحرب في أوكرانيا قدرتهم على التحرك،على البحث في مخرج من الأزمة الأوكرانية ربما بأي ثمن.

فواتير الحرب

لكن الحل يبدو أكثر تعقيداً في ظل تمسك كل طرف بمواقفه على أمل تحقيق اختراق على الأرض، خاصة أن المتضررين من الحرب بشكل مباشر لا يملكون سلطة القرار في وقفها، هذا إن لم نقل لا يملكون القدرة على دفع تكاليف مثل ذلك القرار. وهكذا يستمر استنزاف العالم بكل مقدراته وتتفاقم أزمات دوله كافة حتى أن الفاتورة التي سوف يدفعها تفوق كل فواتير المعارك وإن طال أمدها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"