رغيد جطل
يظن العبد أحياناً، أن الله حرمه سعة في الرزق أو المال أو الولد، ربما لأن ليس له مكانة عند الله، ولا يدري العبد أن سعة الرزق أو قبضها فيه خير له؛ إذ إن الله، جلَّ في علاه، يعطي كل إنسان بحسب ما يصلحه في الدنيا التي هي الطريق الموصل للآخرة، فبعض العباد، لا يصلح حالهم إلا الفقر، ولو كانوا أغنياء لفسدت دنياهم وآخرتهم، وكذلك حال بعضهم الآخر لا يصلحهم إلا الغنى، وورد عن أحد الصالحين مقولة: «إذا تقلص سربال الدنيا عنك فاعلم أنه لطف بك، فإن المنعم لم يقبضه بخلاً أن يتمزق ولكن رفقاً بالساعي أن يتعثر»؟ إذاً قبض الرزق والصحة والمال وغيرها من أمور الدنيا وبسطها من الله القابض الباسط.

القابض الباسط اسمان من أسماء الله الحسنى وردا في السنة النبوية من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: «قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقي الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلَمة في دم ولا مال». ومعنى القابض هو الذي يمسك الرزق وأشياء أخرى عن عباده بحكمة ولطف منه، جلَّ وعلا، والباسط هو الذي يرزق ويوسع على عباده بحكمة ولطف منه، فمرد الأمرين القبض يرجع لأمور ثلاثة، أولها أن الدنيا بما فيها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فعن سهل بن سعد الساعدي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربةَ ماءٍ».

وثانيها أن الله هو المالك لكونه يتصرف به كيف يشاء، فيعطي ويمنع بحسب علمه وحكمته،«لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»،الشورى:12، وقال «إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً»، الإسراء: 30. وثالثها أن في البسط والقبض امتحاناً وابتلاء وحكمة وألطافاً خفية لا يعلم بها إلا القابض الباسط جل في علاه «وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ»، الشورى:27.

العبد المؤمن أمام هذين الاسمين يسلم الأمر لله في كل شيء، فإن رأى سعة في المال والرزق والولد، حمد الله على نعمائه، وسعى إلى تسخير هذه النعم في مرضاة ربه، وإن وجد ضيقاً في العيش صبر وشكر الله وسأله من فضله، ولنا في نبينا، صلى الله عليه وسلم، الأسوة والقدوة؛ فلقد قبض أولاده الذكور وثلاثاً من بناته قبل وفاته، كما كان يمر الشهر والشهران ولا توقد نار في بيته، صلى الله عليه وسلم، كما أن على العبد ألا ينسى أن الله إذا بسط له بالرزق فعليه أن يوسع على أهل بيته وخاصة أننا نحتفل بعيد الأضحى المبارك.

[email protected]