كارل عطا الله*
تعد المشاريع المستدامة عنصرًا مهمًا في قطاع الإنشاءات، ناهيك عن كونها مطلبًا قويًا لدى المطورين لتعزيز التنمية المستدامة في القطاع، تجسيدًا لرؤيتنا الاستراتيجية القائلة إنّ قطاع الإنشاءات بحاجة للتحرك الآن للحد من البصمة الكربونية، ونحن نقود المهمة لتحقيق ذلك.
وتختلف عمليات المشاريع المستدامة في أساليبها وخططها عن أساليب البناء التقليديّة، لتطبيقها العديد من الممارسات الجديدة والتجريبية، التي قد تكون في بعض الأحيان غير مثبتة على نطاق واسع في قطاع الإنشاءات. حيث يقدّم كلّ مشروع دروسًا جديدة حول كيفية تنفيذ هذه الممارسات بشكل أفضل في المشاريع المستقبلية.
علاوة على ذلك، قد يكون هناك فرق بين الطموحات الأولية للمشاريع المستدامة في مرحلة التخطيط ونتيجته النهائية، ويعود ذلك للقيود والعراقيل التي يفرضها العالم الحقيقي والواقع الاقتصادي عليه.
ووفقًا لتقرير صادر في عام 2021 عن مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة، فإن قطاع الإنشاءات العالمي مسؤول عن 38% من مجموع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وعلى الرغم من أن المشاريع التي يتم إنشاؤها خلال أسبوع تعادل في حجمها الإجمالي حجم مدينة باريس، إلّا أنّه يتم تقييم أقل من 1% منها من حيث تأثيرها على البيئة. لذلك من الواضح أنه لا يزال هناك الكثير للقيام به للوصول إلى تقييم أدقّ.
ولكل هذه الأسباب، من الضروري أن تتم مراقبة مراحل تطوير المشاريع المستدامة عن كثب وتوثيقها لمعرفة ما ينجح منها وما قد يتعرّض للفشل وما هي الحلول التي تم تنفيذها للمشكلات التي تمت مواجهتها خلال تلك الرحلة.
أما شركة «دايموند ديفلوبرز»، المطور الرئيسي لمدينة الشارقة المستدامة، فكانت لها بصمتها في هذا الصدد ما يؤهلها لقيادة مشروع مدينة الشارقة المستدامة، خصوصًا بعد أن أكملت بالفعل تسليم المدينة المستدامة – دبي، المشروع العقاري المستدام الذي حقّق نجاحًا كبيرًا، والذي تم إطلاقه في عام 2015. فبالاعتماد على الدروس المستفادة من ذلك المشروع في دبي، كانت الشركة قادرة على تطبيق ما تعلمته هناك على مشروع الشارقة.
كذلك تمتعت «دايموند ديفلوبرز» بميزة إضافيّة في مشروع مدينة الشارقة المستدامة، تمثلت في قدرتها على تطبيق التقنيات التي لم تكن متاحة لها عند التخطيط للمدينة المستدامة - دبي. فعلى سبيل المثال، أصبحنا اليوم المشروع الأول في المنطقة الذي يدمج أحدث أنظمة إدارة الطاقة، بالإضافة إلى استخدامنا تكنولوجيا تخزين الطاقة التي قدّمها شركاؤنا في مجموعة «Hager».
ويتمثل التحدي اليوم في الشارقة في عدم توفر الكثير من البيانات حول المشاريع المستدامة، لذلك هناك حاجة إلى تقديم مزيد من الدعم من كلا القطاعين العام والخاص لتوفير المزيد منها حول مؤشرات الأداء الرئيسية المستدامة. وتعد الأوساط الأكاديمية والبحثية جزءًا أساسيًا في عملية جمع البيانات، وهذا هو السبب وراء عقد مدينة الشارقة المستدامة شراكة مستمرة مع الجامعة الأمريكية في الشارقة لإجراء الأبحاث ومشاركة المعرفة.
فمن خلال الشراكة مع المؤسسات التعليمية للبحث العلمي، يمكننا تعزيز قطاع التنمية المستدامة بطريقة موضوعية وعملية. حيث يزور الطلاب المشروع للتعرف على تطبيقات نظريات التنمية المستدامة في المشاريع العقارية وأساليب تنفيذها العملي في المجتمعات المتكاملة.
وتقدم هذه الجولات التعليمية لمدينة الشارقة المستدامة بيانات ورؤى لا تقدر بثمن في العالم الحقيقي حول الممارسات المستدامة في قطاع التطوير العقاري للطلبة. كذلك ستشجع الأفكار الغنية التي يكتسبها الطلبة خلال جولاتهم على التفكير في المجتمعات المتكاملة بالاعتماد على الركائز الثلاث الرئيسيّة وهي الملاءمة البيئية والاجتماعية والاقتصادية، وتمكينهم من دمج مبادئ الاستدامة في المشاريع العقارية في المستقبل. وبالتالي لن يتمكّن الطلبة من التعمّق في العديد من مجالات الهندسة المدنية، بما في ذلك مجالات البيئة والإنشاءات والنقل، فحسب، بل سيكتسبون أيضًا رؤى واضحة حول تطوير مجتمع مستدام.
ومن الضروري أيضًا توعية المنطقة بفوائد المشاريع المستدامة، وكيفية دعمها لرؤية وأهداف الأجندة الخضراء لحكومة دولة الإمارات، وكذلك أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، من خلال تطبيق أفضل الممارسات المستدامة والمساهمة في الوصول إلى اقتصاد دائري من خلال الطاقة المتجددة وإعادة تدوير النفايات والمياه.
بالإضافة إلى ذلك يجب علينا، على المدى القصير، توعية المعنيين بالقطاع العقاري بالمزايا الاقتصادية الفوريّة التي يمكن أن توفرها المساكن المستدامة. أمّا على المدى الطويل، فمن المهم لجميع شركائنا، من المستثمرين وملّاك المنازل وعامة الناس، إدراك الآثار الاجتماعية والبيئية الإيجابية لمثل هذه المشاريع الضرورية لرفاهية أجيالهم المستقبلية.
ويمكننا ضمان مستقبل طويل الأجل لنا جميعًا فقط من خلال مشاركة المعرفة، التي تتحقّق نتيجة لتطوير مشاريع رائدة مثل مدينة الشارقة المستدامة، ونشر التكنولوجيا وتقنيات التنمية المستدامة وأفضل الممارسات عبر قطاع الإنشاءات الأوسع.
* مدير التسويق في مدينة الشارقة المستدامة