ازدهار الصناعة يثبت خطى الإمارات على مسار النمو

22:35 مساء
قراءة 4 دقائق

نضال حداد*

لطالما اعتبرت عمليات التصنيع المحلية محركاً رئيسياً لازدهار ورفعة الأمم على مر تاريخنا الحديث، إلا أن أهميتها باتت واضحة في عالم اليوم أكثر من أي وقت مضى. فقد حلت جائحة «كوفيد-19» لتذكر دول العالم بضرورة النظر إلى سلاسل التوريد المحلية لديها، وجسر الفجوات سريعاً، وخلق منظومة قوية وشاملة تعزز الاكتفاء الذاتي.

لذلك أعلنت دولة الإمارات عن خارطة طريق واضحة المعالم لتأسيس اقتصاد قائم على الصناعة، وذلك عبر مشروع 300 مليار، الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، والتي تستهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي الوطني بمعدل يبلغ نحو ثلاثة أضعاف إلى 300 مليار درهم بحلول عام 2031. كما حرصت الدولة على دعم جهودها هذه بإطلاق مبادرة «اصنع في الإمارات» التي تركز على بناء كفاءات صناعية محلية تُفضي لتصنيع منتجات تحمل «شعار صنع في الإمارات» وتصديرها للعالم بأسره.

وعكفت الدولة بتوجيهات حكومتها الرشيدة على إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي2051، والتي تهدف إلى تطوير منظومة وطنية شاملة تقوم على أسس تمكين إنتاج الغذاء المستدام وجعل الدولة الأفضل عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي العالمي بحلول عام 2051 عبر استخدام التقنيات الحديثة، وتحسين الإنتاج المحلي، وإبرام شراكات عالمية وثيقة لتنويع الموارد الغذائية.

وتضع دولة الإمارات رؤية طموحة وواضحة لحوكمة البيئة والمجتمع وحوكمة الشركات، وباتت الدولة اليوم أرضاً خصبة لنشوء الصناعات المحلية المزدهرة. لذلك فإن هذا التركيز الكبير على القطاع الصناعي أصبح إحدى الركائز الجوهرية للواقع الجديد. وفي هذا الإطار، ود تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها كأحد أكثر اقتصادات العالم انفتاحاً واستقطاباً للمواهب والموارد ورأس المال ودورها الحيوي كمحطة عالمية للتجارة والتبادل التجاري.

إن الحاجة الماسة لتعزيز القدرات والإمكانات الصناعية المحلية لا تتعارض أبداً مع التدفقات التجارية العالمية، لأن تأسيس قطاع صناعي وطني صلب يعتبر محركاً رئيسياً لخلق فرص العمل للشباب ودعم القطاعات الفرعية التي تنمو وتتطور مع ازدهار القطاع الصناعي.

قدمت دولة الإمارات نموذجاً تنموياً يحتذى به في تحقيق أولويات النمو بوتيرة متسارعة. فقد كانت أول دولة نفطية تؤكد الحاجة لتنويع الاقتصاد، وأول دول المنطقة في تبني مبادرات طموحة للمناخ وهي المبادرة الاستراتيجية للحياد المناخي 2050، وهي سباقة في تشجيع الشركات على ضخ مزيد من الاستثمارات في حوكمة البيئة والمجتمع وحوكمة الشركات، في حين سارعت إلى إطلاق برامج ومبادرات تمثل المقومات المثلى للثورة الصناعية الرابعة في المنطقة. كما أنها رائدة على مستوى العالم في استكشاف إمكانات العالم الافتراضي (الميتافيرس).

وساهمت هذه الخطوات السباقة لدولة الإمارات في بلورة رؤيتها لاستشراف مسار جديد للنمو يبتعد عن الاعتماد على قطاع بعينه، ويتبنى مقاربة أكثر تنوعاً تجمع حزمة من القطاعات الرئيسية بما يضمن النمو الشامل لجميع الجوانب الاقتصادية. لذلك بدا جلياً أن التوجه الراهن نحو ترسيخ دعائم القطاع الصناعي الوطني هو ثمرة التزام الدولة باعتلاء هرم الصدارة العالمية والاستفادة من إمكانات الرقمنة.

عند دراسة مسارات نمو الدول المتقدمة بتمعن تام، يمكننا إدراك أهمية القطاع الصناعي في ازدهار اقتصاداتها ودوره الحيوي في وصولها لمكانتها العالية. وبدءاً من الثورة الصناعية التي بشرت بمرحلة جديدة من الازدهار في أوروبا إلى الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية التي أعقبت الكساد الكبير في الولايات المتحدة، لا يمكن لأحد إنكار الدور الحيوي للقطاع الصناعي لتسريع وتيرة النمو. ونرى أمثلة مشابهة في الصين واليابان اللتين برزتا كاقتصادات كبرى ونجحت كل منهما في قيادة موجة الابتكار والتحول الصناعي حول العالم.

منذ تأسيسها، ركزت دولة الإمارات على تأسيس محور صناعي مرتكز على الطاقة، ويتوسع إلى قطاعات أخرى تحتاج بدورها لموارد كبيرة من هذه الطاقة، على غرار الألمنيوم. كما شهدت الدولة ضخ استثمارات كبيرة في قطاع البناء والتشييد على غرار مصانع الخلائط الجاهزة والسيراميك.

إن التركيز الراهن على النهوض بالقطاع الصناعي يتخطى الأولويات السابقة، إذ يمثل دعوة مفتوحة للاستثمار في قطاعات التصنيع كافة، ودعم الابتكار والتقنيات السباقة. وانسجاماً مع هذه المساعي الدؤوبة في دولة الإمارات، عكفنا على توسيع قدراتنا المحلية للتصنيع ودخول ميادين جديدة للأعمال مع تأسيس وحدات صناعية جديدة تسهم في رفع شعار «صنع في الإمارات» عالياً حول العالم. ونأمل أن تحذو جميع الجهات الصناعية في الدولة حذونا.

نحن اليوم بحاجة ماسة لتبني مفاهيم الاقتصاد الدائري لرؤية استثماراتنا الصناعية من منظور آخر، باعتبارها مسؤولية مؤسسية كبيرة تقدم فرصاً هائلة ومنافع جمة تستفيد منها جميع الأطراف المعنية. وباعتبارنا خبراء صناعيين، نحتاج إلى التفاعل أكثر مع منظومة حوكمة البيئة والمجتمع وحوكمة الشركات في دولة الإمارات لضمان امتثالنا الكامل لهذه المعايير والارتقاء بمؤسساتنا نحو شكل مسؤول بيئياً واجتماعياً خلال السنوات القليلة المقبلة.

وإن تركيز دولة الإمارات الراهن على تأسيس اقتصاد صناعي بامتياز يقدم فرصة هائلة للشباب الواعد لاستكشاف إمكانات الشركات القائمة على التقنيات المتطورة، والقادرة على تحقيق وتيرة نمو سريعة ليتخطى رأسمالها مليار دولار وتدخل قائمة شركات «اليونيكورن».

وعبر كامل سلسلة القيمة للقطاع الصناعي، تقدم الدولة اليوم آفاقاً زاخرة بالفرص. لذلك فإن الاستفادة من هذه المرحلة منوط بقدرة القطاع الخاص والشركات الناشئة والباحثين الشباب والأكاديميين وشركات التمويل والمجتمع على اغتنام هذه الفرص.مع النهوض بالقطاع الصناعي، تدخل الدولة فصلاً جديداً من تاريخها الحافل بالتقدم والازدهار.

* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «البيادر إنترناشونال»

 

عن الكاتب

المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «البيادر إنترناشونال»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"