سوق العمل والتضخم المرتفع

21:46 مساء
قراءة 4 دقائق

ستيفن كامين *

في سبتمبر/أيلول، كان مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي أعلى بنسبة 8.3%، مقارنة بالعام الماضي، وسجّل التضخم الأساسي الذي يستثني مكونات الطاقة والغذاء المتقلبة في إنفاق المستهلكين 6.3%. وعليه، من الواضح أن أحد أهم أسباب جموح التضخم في أمريكا، كان الارتفاع الصاروخي في أسعار النفط والغذاء، والذي لم يعزز رقم مؤشر أسعار المستهلكين «الرئيسي» فحسب؛ بل ضرب التضخم الأساسي أيضاً. كما أسهم ضغط ارتفاع الطلب الكلي، لا سيما ضيق أسواق العمل، في رفع الأسعار الأساسية أيضاً.

تم الاستشهاد على نطاق واسع بارتفاع معدلات الوظائف الشاغرة منذ بداية جائحة كورونا كمؤشر على هذا الضيق. ويبدو أن التزامن بين ارتفاع أرقام الوظائف الشاغرة والتضخم يشير إلى قصة «منحنى فيليبس» المعياري للأجور، حيث تؤدي أسواق العمل المحمومة إلى زيادة الأجور، وتعزيز تكاليف العمالة، وإجبار الشركات على فرض أسعار أعلى. وكما أشار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم بأول، في وقت سابق، إلى أنه من خلال اعتدال الطلب، يمكننا أن نشهد انخفاضاً في الوظائف الشاغرة، وهذا من شأنه أن يمنحنا فرصة لخفض التضخم دون الحاجة إلى إبطاء الاقتصاد والدخول في ركود وارتفاع معدلات البطالة مادياً.

ولكن هل قصة «منحنى فيليبس» عن الارتفاع المستمر في التضخم الوبائي صحيحة؟ هل التضخم المرتفع هو نتيجة أسواق العمل الضيقة التي تؤدي بدورها إلى نمو أعلى للأجور، وبالتالي ارتفاع تضخم الأسعار؟

بين الربع الرابع من عام 2019، والربع الثاني من عام 2022، ارتفعت الأجور في الولايات المتحدة بنسبة 10.9%، لكن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع في المقابل بنسبة 13.7%. وهذا يشير إلى أن التكاليف الأخرى إلى جانب الأجور، لا سيما أسعار الغذاء والطاقة، ارتفعت بوتيرة أسرع من الأجور نفسها. ويتم تحديد هذه الأسعار في الأسواق العالمية، ولا نتوقع أن تتأثر كثيراً بأسواق العمل والأجور في الولايات المتحدة. وإذا استثنينا أسعار الغذاء والطاقة، فإن مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي نما بنسبة 10.2% خلال نفس الفترة، ما يشير إلى أن الأجور كانت تواكب التضخم الأساسي تقريباً، لكن دون أن تتقدم عليه.

وبالنظر إلى أن التكاليف الأخرى إلى جانب الأجور تدخل في تسعير السلع والخدمات، فإنه لو كان نمو الأجور المتزايد هو المحرك الوحيد للارتفاع الكبير في التضخم الأساسي، لكان تجاوز التضخم بهامش أكبر. وعلى سبي المثال، ارتفعت في الواقع تكاليف المأوى، كالإيجار والإيجار المكافئ للمالكين، التي تمثل نحو 40% من مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، بنسبة 9% بين الربع الأخير من عام 2019، والربع الثاني من عام 2022، ولكن القليل من هذا يرجع على الأرجح إلى ارتفاع الأجور.

في بحث مشترك مع زميلي جون كيرنز، أسقطنا أدلة إضافية على الروابط بين الوظائف الشاغرة والأجور والتضخم الأساسي، من خلال دراسة تجربة الاقتصادات المتقدمة الأخرى. وكان السؤال، هل شهدت الاقتصادات التي تناولت زيادات أكبر في الأجور منذ بداية الوباء، زيادات أكبر في التضخم الأساسي؟ والجواب كان لا. فعلى الرغم من وجود علاقة قوية بين الوظائف الشاغرة والتضخم الأساسي عبر البلدان، فإنه لا يوجد سوى ارتباط ضعيف بين نمو الأجور الاسمي والتضخم الأساسي.

فما الذي قد يفسر هذا اللغز؟ من وجهة نظرنا، تعكس الوظائف الشاغرة الطلبات الزائدة على السلع والخدمات، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة أسعار منتجات الشركات، إضافة إلى أسعار المدخلات والأجور، والإيجارات، والتكاليف الأخرى لممارسة الأعمال التجارية. وهذه الطلبات الزائدة هي نتاج عدة عوامل، منها النفقات المالية الثقيلة في وقت سابق من الوباء، والإنفاق من مدخرات الأسر الكبيرة التي تراكمت أيضاً خلال ذروة الوباء، وعلى جانب العرض، انخفاض المشاركة في القوى العاملة.

ومن النتائج التي توصلنا إليها أن ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الأجور، قد لا يكون شرطاً ضرورياً للسيطرة على التضخم. وكما جادل العديد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، قد يكون من الممكن أن تنخفض الوظائف الشاغرة دون زيادات كبيرة في معدل البطالة. ومثل هذا الانخفاض في الطلب الزائد على السلع والخدمات، يمكن أن يقلل الضغط التصاعدي على الأسعار دون الحاجة إلى كثير في طريق تسريح العمال، والبطالة. ومع ذلك، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان الهبوط الناعم ممكناً.

لا تقلل النتائج التي توصلنا إليها من حاجة بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية لخفض الإنفاق، وكبح جماح التضخم، لذا فإن بعض الارتفاع في البطالة وتباطؤ الأجور قد يشكل ضرراً جانبياً لا مفر منه لتهدئة الاقتصاد المحموم.

وعلاوة على ذلك، حتى لو لم يكن نمو الأجور هو المحرك الرئيسي للتضخم حتى الآن، فقد يصبح المحرك الأساسي للمضي قدماً إذا ارتفعت توقعات التضخم أو حاول العمال عكس الخسائر السابقة في الأجور الحقيقية. وفي مثل هذه الظروف، قد تكون هناك حاجة لتشديد السياسة النقدية مرة أخرى، لاحتواء توقعات التضخم والأجور والأسعار.

* زميل في معهد «أمريكان إنتربرايز» لأبحاث السياسة العامة (ذا هيل)

 

https://tinyurl.com/5n8dj9uf

عن الكاتب

زميل في معهد «أمريكان إنتربرايز» لأبحاث السياسة العامة (ذا هيل)

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"