القاهرة: «الخليج»
ينطلق هانس روبيرت ياوس في كتابه «جمالية التلقي.. من أجل تأويل جديد للنص الأدبي»، ترجمه إلى العربية رشيد بنحدو، من فرضية أساسية مفادها أن النص لا ينبثق من فراغ، ولا يؤول إلى فراغ، إن كل كاتب ينطلق من أفق فكري وجمالي، يكيف تصرفه في الموضوعات والأفكار وتدبيره للغة، وسياسته للأشكال والأساليب، ويتكون من تمرسه الجمالي بالجنس الأدبي، الذي يبدع فيه، ومن تصوره الخاص للكتابة، ومن ذخيرة قراءاته.
في المقابل فإن كل قارئ، خاصة إذا كان ناقداً، يمتلك أفقاً فكرياً وجمالياً، يشترط تلقيه للنص الأدبي وتعبئته بالمعنى، وتأويله لبنيته الشكلية، ويتألف هذا الأفق المدعو بأفق التوقع، من خبرته المسبقة بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص المقروء، ومن وعيه المسبق بالعلاقة التناصية، التي تربطه بنصوص أخرى، من حيث البنية الشكلية، ومن معرفته المسبقة بالفرق الجوهري بين التجريب النصي، الذي يميز الخطاب الأدبي والتجربة الواقعية التي تميز باقي الخطابات غير الأدبية، أي الفرق بين الوظيفة الشعرية والوظيفة العملية للغة، فلا براءة ولا حياد إذاً في كل من الكتابة والقراءة.
يشير الكتاب إلى أنه حين تتحرك آلية القراءة، ينشأ حوار خاص بين الأفقين قد يتسم بالتوتر والتجاذب، حوار يحتمل أن يتمخض عن تماهي أفق النص مع أفق توقع القارئ أو تخييب ذاك لهذا، أو تغييره له، وفي نوعية استجابة النص لأفق القارئ، تكمن قيمته الفنية، فإذا استجاب له بالتماهي معه، كان رديئاً، وإذا استجاب له كان عديم الأثر، أما إذا استجاب له بتغييره – وهذا أفضل الاحتمالات – فهذا يعني أنه جيد، لذلك يتعين على الناقد أو المؤرخ الأدبي كما يتصوره ياوس أن يحلل نوعية الاستجابة هذه، وذلك باستجماع تلقيات قراء ذلك النص المتعاقبين، أي خطاباتهم النقدية، وفحصها بهدف الكشف عن طبيعة أثره في كل واحد منهم، فإذا استطاع القارئ مثلاً أن يقاوم النص بحيث لم يغير أفق توقعه، أي معاييره الجمالية والفكرية، كان هذا النص مبتذلاً، وإذا استسلم لغوايته، وهو ما يؤدي إلى تغير هذه المعايير كان رائعاً.
يرى الكتاب أن هذه المهمة هي مهمة النقد الجديدة: تقدير القيمة الجمالية للأدب بتحديد نوعية وشدة آثاره في القراء، اللتين يمكن استنباطهما من خطاباتهم النقدية، فكلما كان أثره قوياً، أي بقدر انزياح النص عن معايير القارئ وتعديله لأفق توقعه، كان هذا النص ذا قيمة فنية عالية، فالمسافة الجمالية بين أفق النص وأفق التلقي هي خير ما يمكن الاحتكام إليه لتحديد جمالية الأدب.
يوضح الكتاب أن مهمة المؤرخ والناقد الأدبي الجديدة تنحصر في الاهتمام بنوعية العلاقة بين النص والمتلقي، وذلك انطلاقاً من هذه الأسئلة غير المعهودة: كيف انفعل القارئ بالنص؟ هل كان رد فعله هو محض استهلاكه بكيفية نمطية مرضية، تجري على نسق مطرد ورتيب في قراءة الأدب، أو هو نوع من الإخفاق في إكراه هذا النص على قول ما يريد هو (أي القارئ) أن يقوله، أو هو بالعكس الاندهاش بجدته وأصالته الجديرين بإغرائه بمراجعة المسلَّمات الجمالية والقواعد الإجرائية، التي كانت تكيف تعاطيه للأدب، ومن ثم بمعانقة هذا الأفق الجديد والمختلف الذي يصدر عنه ذلك النص؟
إن جمالية التلقي – كما يكشف هذا الكتاب – دعوة إلى تأويل جديد للنص الأدبي، يروم استجلاء سمات التفرد والإبداع فيه (أو نقيضيهما الاتباع والابتذال) لا باستنطاق عمقه الفكري في حد ذاته، أو وصف سيرورة تشكله الخارجي كما هي في ذاتها، وإنما بتحديد طبيعة وقعه، وشدة أثره في القراء والنقاد، من خلال فحص ردود فعلهم وخطاباتهم، فهي إذاً نقد للنص من خلال نقد تلقياته.