القاهرة: «الخليج»

«تشخيص الآخر.. مسرحة السرديات الشخصية في مسرح البلاي باك» كتاب من تأليف نيك راو، ترجمة محمد رفعت يونس والشيماء علي الدين، والكتاب هو الأول (في المكتبة العربية) الذي يؤسس ويؤصل للمعرفة المسرحية العربية بمسرح «البلاي باك» التي تعني في الإنجليزية: «الاستماع إلى الأسطوانة، أو مشاهدة محتواها، بعد الانتهاء من تسجيلها مباشرة» هذا يعني أمرين لا غنى عنهما، لتحقيق هذا المعنى، الأمر الأول: هو فورية الاستماع (أو المشاهدة) بعد الانتهاء من التسجيل في التو، والأمر الثاني: يشير إلى أن هذا الاستماع أو المشاهدة، يحدث لأول مرة، حيث إن عملية التسجيل قد انتهت لتوها، قبل الاستماع إليها بلحظات، وعادة ما تتم هذه العملية كاستعادة للمادة المسجلة، بهدف تفحصها ومراجعتها.

هذا ما يحدث في مسرح «البلاي باك» يشاهد أحد المتفرجين مع باقي الجمع – مباشرة وعلى نحو فوري – ما انتهى هو من حكيه في التو، يشاهد لأول مرة تجسيداً مسرحياً، لما انتهى من سرده، وبهذا يتحقق معنى الكلمة لغوياً، بأن تحدث المشاهدة لأول مرة، وفور الانتهاء من التسجيل، الذي يقابله الحكي، فالمتفرج حين يحكي إحدى قصص حياته الخاصة أو يحكي موقفاً مر به، فهو بذلك يسجل شكلاً سردياً حكائياً لهذه القصة أو هذا الموقف، هذا الشكل السردي الذي تم تسجيله شفاهياً في مسامع باقي أفراد الجمهور، وكذلك أفراد الفرقة المسرحية، يتم تجسيده (استعادته) مسرحياً في التو، إنها عملية استعادة لتجربة تمت معايشتها، بهدف تفحصها من أجل غرض ما، يختلف من حالة إلى أخرى.

هذا الحكي تم بفضل التذكر، فقد اعتمد الراوي (المتفرج السارد) هنا على ذاكرته بشكل أساسي، هذه الفكرة الرئيسية الخاصة بتقنية المشاهدة الفورية الأولى لما تم حكيه، بفضل الذاكرة، تصبح الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب، الذي استهله مؤلفه بالحديث عن طبيعة هذا الشكل المسرحي، وتاريخ نشأته وتطوره، وحدود انتشاره، وأهم المفاهيم الخاصة به، وانتقل من هذه النظرة إلى تقنيات الشكل المسرحي ذاتها.

وهناك مجموعة من الأسئلة تدور حول مكانة الراوي في مسرح «البلاي باك» فمكانته متفرجاً، وليس عنصراً فاعلاً، في أثناء التمثيل، يميز هذا المسرح عن باقي الممارسات الأخرى المشابهة، مثل مسرح المقهورين والسيكودراما والدراما العلاجية.

دور علاجي

لا يحظى الراوي سوى بزمن محدود، ليعلق من خلاله على عمل الممثلين، فغالباً لا توجد فرصة متاحة على نحو منهجي، ليتسنى له ممارسة النقد، تفصيلاً على عملية التمثيل، وهذه مواضع واضحة، يختلف بها مسرح «البلاي باك» عن ممارسات، مثل السيكودراما والدراما بالعلاج، هذه الممارسات التي تجد من الضروري إقامة مناقشات مستفيضة، بعد كل عرض، حول ما يقدمونه من تمثيل.

يرى المؤلف أن مسرح «البلاي باك» ليس بالدراما العلاجية فحسب، وإنما تتعدد أهدافه بانتقاله إلى مؤسسات متنوعة مثل المدارس والمصانع والشركات والمؤتمرات، وقد يتوجه إلى الميادين والأحياء العامة، وفي مثل هذه الجولات تكون أهدافه ليس من بينها ما هو علاجي.

وهناك دوران لمسرح «البلاي باك» هما: الدور الاجتماعي، والدور العلاجي، ويتحقق المعنى الأمثل للدور الاجتماعي للبلاي باك باعتماد هذا المسرح على المسرحة الفورية للقصص الشخصية الخاصة بأفراد الجمهور، فلن يكون هناك شيء أهم للجمهور، ولا أكثر ارتباطاً به، ولا أكثر تأثيراً فيه، وبالتالي يجذب انتباهه، أكثر من قصة تخص أحد أفراده، وقد اختارها بمحض إرادته، لتمثل أمامه على الخشبة، فور انتهائه من سردها، فتصل فاعلية الرسالة إلى حدها الأقصى في تطهير النفس البشرية، أو في تعديل السلوك الفردي، وبالتالي الاجتماعي أو في توجيه الفكر، إن كانت هناك استراتيجية لذلك.

مسرح ذاكرة

ويوضح الكتاب فإنه ليس هناك من يستطيع التقليل من الفاعلية، التي يكتسبها «البلاي باك» حين يستهدف المرضى، بغرض المساهمة في علاجهم، وفي كل الأحوال فإن مسرح «البلاي باك» هو مسرح ذاكرة البشر، مسرح لتاريخ الذاكرة البشرية وتوثيقها، كما أنه أشبه بمحاولة البحث عن «تطهر النفس» بالمعنى الذي وضعه أرسطو في كتابه «فن الشعر» وظيفةً أساسية للمسرح.

يتمركز هذا المسرح إذن حول الذاكرة البشرية، وهي الشيء الوحيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه، أو التخلي عنه، سواء بإرادتنا أو من دونها، فالذاكرة ليست ذلك الشيء الذي ينافق أو يدعي أو يكذب أو يخادع، في ذاكرتنا يتم الحفاظ على براءتنا وتلقائيتنا التي نلقاها في لحظات العودة إلى أحداث الماضي بمسرح «البلاي باك»، حيث يكشف فيه الإنسان (الممثل وراوي القصة) عن نفسه، وعما يؤلمه، ويتألم من أجله، لجمهور متلق، يكتشف فيما يراه فوق خشبة المسرح نفسه وذاته، ويريد أن يشارك ممثله في ألمه، ويعثر على صور متناثرة من هنا وهناك من خبراته الحياتية، ومما يعانيه وما يقاسيه، عبر الممثل، وكذلك الحاكي الذي يسرد بالنيابة عنه، ما يخجل هو من الاعتراف به أحياناً، أو التعبير عنه أحياناً أخرى.

ويعد هذا الكتاب تجربة استكشافية وناقدة لمسرح «البلاي باك» ذلك الشكل المرتجل من المسرح، الذي تقوم فيه فرقة من العارضين بالتصرف الطليق، لمسرحة السيرة الذاتية والسرديات الخاصة، التي تلقى على مسامعهم من أفراد الجمهور، والمؤلف صاحب خبرة ممثلاً في هذا الشكل من المسرح لأكثر من عشر سنوات.