د. منى تهلك

تبقى الحالة النفسية، للإنسان على درجة عالية من الأهمية، وفي هذا العصر تحديداً، لم تعد مواضيع الصحة النفسية، عابرة أو تتحمل الجهل وعدم المعرفة أو التجاهل، وعدم الوعي بخطورة المرض النفسي، وأعراضه وأنواعه المتعددة، والتي يعتبر كل واحد منها على درجة عالية من الخطورة، خاصة تلك الأعراض التي نراها متواضعة، ولا نوليها الاهتمام والعناية والرعاية، بل عندما تمر بنا بعض مسمياتها نعتبرها عادية، مثل القلق والتوتر والاكتئاب، وهي أمراض تحتاج للفحص والعلاج، وإهمالها يؤدي إلى تنامي المرض ثم تأثيره على جودة الحياة، وتحوله لمرض جسدي، ولنتوقف عند عارض نفسي مثل الاكتئاب، الذي قالت عنه منظمة الصحة العالمية: «الاكتئاب مرض شائع في العالم؛ إذ يقدّر أنه يصيب 3.8 % من الأشخاص في العالم، 5.0 % منهم من البالغين و5.7 % من البالغين الذين تزيد أعمارهم على 60 سنة. ويعاني من الاكتئاب نحو 280 مليون شخص في العالم. ويختلف الاكتئاب عن تقلبات المزاج المعتادة والانفعالات العابرة إزاء تحديات الحياة اليومية. وقد يتحول الاكتئاب إلى حالة صحية خطِرة، لا سيما إذا تكرر حدوثه بحدة متوسطة أو شديدة. ويمكن أن يؤدي عند من يصاب به إلى المعاناة الشديدة وتأثر الأداء في العمل والمدرسة والأسرة. ويمكن أن يؤدي الاكتئاب في أسوأ حالاته إلى الانتحار. وينتحر كل عام أكثر من 700,000 شخص. والانتحار هو رابع سبب رئيسي للوفاة عند الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة».

لكم أن تتخيلوا هذا العارض المرضي، الذي إن سمع به البعض، فإنه لا يوليه الاهتمام، بل إن هناك من يصف الحالة المزاجية المتعكرة، التي يمر بها أي ممن هم قريبون منه، بالاكتئاب، وفي زعمه وظنه، أنها حالة مزاجية عابرة، تعكر صفو الإنسان لبعض الوقت، ثم يعتدل المزاج وتعود الحالة النفسية لوضعها الطبيعي، وهذا خطأ واضح وتسطيح، وعدم معرفة بمعنى الاكتئاب وأعراضه ودرجاته. والحقيقة أن حالات نفسية أخرى، متداولة مسمياتها بيننا، مثل القلق والتوتر، ومع هذا ننظر لها بأنها عابرة، ولا يوجد ما يدعو للخوف أو الحرص، أو الوقاية منها، والمشكلة أن هذه النظرة السطحية أو عدم المعرفة بمعنى المرض النفسي وأعراضه وبداياته، تؤدي فعلاً لتفاقم المرض وعدم علاجه في بداياته، بل تحول المشكلة الصحية الواحدة، وهي مرض نفسي، إلى مشكلتين: نفسية وجسدية.

من هنا تظهر حيوية وأهمية الوعي، والمعرفة، ولنتذكر بأن النفس تمرض وتحتاج للرعاية والعلاج، تماماً كالجسد.

استشاري أمراض نساء وولادة مدير تنفيذي مستشفى لطيفة