القاهرة: وهيب الخطيب

الرواية القصيرة أو «النوفيلا» شكل سردي واسع الانتشار عالمياً له تعريفاته وكتاباته الإمتاعية التي تعلق في الذاكرة: «العجوز والبحر» لهمنغواي، «الغريب» لألبير كامو، «التحول» لكافكا..الخ، إلا أن هذا الشكل خجول على المستوى العربي، برغم صدور الكثير من الروايات القصيرة أو «النوفيلات» إلا أن الرواية الطويلة تحتل المشهد بأكمله على مستوى النقد والإعلام، وربما لا تترك أية مساحة ل«النوفيلا» برغم أن مناخ العصر بسرعته وأدواته ربما يرشح «النوفيلا» بتكثيفها وأسلوبها لتحتل واجهة المشهد السردي في المستقبل القريب، الملاحظ أيضاً ذلك الجدل حول «النوفيلا» في الساحة العربية، وتلك المراوحة في تعريفها، وحيرة البعض في توصيفها: رواية قصيرة أم قصة طويلة؟، وفي هذا الملف من «الخليج الثقافي نحاول أن نضيء على أحوال «النوفيلا» من أبعاد عدة.

لطالما كانت الرواية في عمومها تشهد تحولاً وتطوراً، شكلاً وتقنياً، يسهم في ذلك انتشارها السريع طوال القرن الماضي، ومدى التطور الذي شهدته على مستوى ثقافات مختلفة، ومن بين هذه التطورات انتشار النوفيلا، خاصة في السنوات الأخيرة، على أنها كمفهوم لا يزال مرتبكاً وغير محدد.

والنوفيلا رواية/ حكاية نثرية سردية، تجنح إلى كونها أقصر من الروايات التقليدية، وأطول من القصص القصيرة، ومؤكد لا يوجد عدد معين للكلمات أو الصفحات، لكن جمعية كتاب الخيال العلمي والفنتازيا الأوروبية سبق أن حددت أن عدد كلمات النوفيلا يتراوح بين 4 آلاف إلى 17 ألف كلمة.

أمّا دائرة المعارف البريطانية فتعرّف النوفيلا بأنها «سرد قصير محكم البناء، واقعي أو تهكمي النبرة في الأغلب». وتعرّفها ميريام وبستر بأنها «عمل خيالي متوسط الطول والتعقيد، بين قصة قصيرة ورواية».

والفارق بين الرواية والنوفيلا ليس في الطول والقصر فقط، فالأخيرة واحدة من أغنى الأشكال الأدبية وأكثرها ثراء، إذ تتيح تطويراً موسعاً للموضوع والشخصية أكثر من القصة القصيرة، من دون تقديم المتطلبات الهيكلية المعقدة للرواية الطويلة. وهكذا فإنها توفر استكشافاً مكثفاً ومفصلاً لموضوعها، ما يوفر إلى حد ما، التركيز المركّز للقصة القصيرة والنطاق الواسع للرواية. وفي مقالته «باختصار، قضية الرواية»، قال المؤلف الكندي جورج فيذرلينج، إن اختزال النوفيلا إلى مجرد رواية قصيرة يشبه «الإصرار على أن المهر هو حصان صغير».

اختلافات

إذا كان للقصة القصيرة أخت كبيرة، فستكون النوفيلا، أو كما أطلق عليها الأديب والشاعر الألماني، تيودور شتورم «أخت الدراما الصغيرة»، فعادة ما تتكون القصص القصيرة من بضعة آلاف من الكلمات، ويمكن قراءتها في جلسة واحدة، بينما تتطلب الروايات القصيرة مزيداً من الوقت والاهتمام. من حيث الشكل، تتميز النوفيلا بمزيد من الصراعات وتطوير الحبكة، مقارنة بالقصة القصيرة، لكن عدد الصراعات الفرعية أقل من الرواية. وعلى الرغم من أن الروايات القصيرة قد تتبع قوساً تقليدياً للقصة، وتخلق النوع نفسه من التأثير الموحد الذي تشتهر به القصص القصيرة، فإنها غالباً ما تفتقر إلى التعقيد ووجهات النظر المتعددة الموجودة في الروايات.

الأصل التاريخي

يعود أصل التسمية إلى اللغة الإيطالية، والكلمة مؤنث novello، ما يعني جديد، على غرار الكلمة الإنجليزية news. أي أن جوهر النوفيلا هو الإخبار، وهي ليست ببعيدة عن دلالات الكلمة التي تعني حكاية، أو إخبارية.

وبدأت النوفيلا كنوع أدبي في التطور في الأدب الإيطالي في أوائل عصر النهضة، خاصة على يد جيوفاني بوكاتشيو مؤلف كتاب ديكاميرون (1353)، الذي تضمن 100 حكاية، تسمى نوفيلاس، رواها عشرة أشخاص؛ سبع نساء وثلاثة رجال، فروا من الموت الأسود «الطاعون»، بالهروب من فلورنسا إلى تلال فيزول في عام 1348. ثم تم تقليد هذا الشكل من قبل المؤلفين اللاحقين، ولا سيما الملكة الفرنسية مارجريت دي نافار، قرينة الملك هنري الثاني ملك نافار، وأخت الملك فرانسوا الأول ملك فرنسا، وكانت هي وشقيقها مهتمين بالحياة الفكرية والثقافية والصالونات في عصرهما في فرنسا، وكتبت حكاية فرنسية أصلية على غرار ديكاميرون.

ونشأ النوع الإيطالي الروائي من تقليد غني لأشكال السرد القصيرة في العصور الوسطى. واتخذ أول شكل رئيسي له في أواخر القرن الثالث عشر، وتابع أتباع بوكاتشيو، مثل جيوفاني فيورنتينو وفرانكو ساكيتي وجيوفاني سيركامبي وسيمون دي برودينزاني، تطوير المسار في أوائل القرن الخامس عشر.

وأثرت الروايات القصيرة في تطور القصة القصيرة والرواية في جميع أنحاء أوروبا، ففي أواخر القرن التاسع عشر كان هنري جيمس، من أوائل نقاد اللغة الإنجليزية الذين استخدموا مصطلح النوفيلا لقصة أطول، وأكثر تعقيداً من القصة القصيرة، ولكنها أقصر من الرواية. وفي البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، نادراً ما يتم تعريف الرواية الحديثة على أنها نوع أدبي متميز، لكنها غالباً ما تستخدم كمصطلح لرواية قصيرة.

وبحلول القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان للكتاب الألمان تعريف جديد للنوفيلا، بوصفها «قصة خيالية تدور حول صراع واحد، أو حدث درامي، مع نقطة تحول واضحة ونهاية منطقية لكنها غير متوقعة». ومن بعدها ظهرت العديد من الروايات الأوروبية الكلاسيكية التي تُستخدم في الفصول الدراسية اليوم، خلال هذه الحقبة، مثل «كانديد» لفولتير، و«عيد الميلاد» لتشارلز ديكنز.

عصر السرعة

وبعيداً عن مسألة الطول والقصر، يمكن أن نتفق على أنه في عالم الخيال الإبداعي، تأتي القصص الملهمة بجميع الأحجام والأنماط، وربما تكون قرئت الروايات الأكثر مبيعاً، وانتشرت في بعض القصص القصيرة المملوءة بالحركة، التي يميل أغلبها إلى الرواية الطويلة، في حين يبقى للنوفيلا قارئوها.

وثمة اتفاق بين المهتمين والمعنيين بالشأن الثقافي والأدبي، على أننا نعيش عصر السرعة، وتنحو الرواية باتجاه النوفيلا، الرواية القصيرة، في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وانشغال الشباب بالثورة التكنولوجية الهائلة.

وللتدليل عل الانتشار، ولو نسبياً، يمكن أن نشير إلى نوفيلا «اللامتناهي.. سيرة الآخر» للروائية السورية مها حسن، ولمواطنتها منهل السراج «صراح»، وكلتاهما تضم شخصية رئيسية واحدة، ويجري القص فيها من وجهة نظر واحدة، كما أنهما تخلوان من الحبكات الفرعية.

ويعدد البعض عناوين أخرى يمكن إدراجها كنوفيلا، من بينها «عازف الغيوم»، لعلي بدر، وبعض كتب محمد البساطي، «الاعترافات» للبناني ربيع جابر، وعدد من مؤلفات إلياس خوري الأولى، كذلك «طقس»، للروائي السوداني أمير تاج السر، و«مرّة» للسورية نغم حيدر، و«غرفة ترى النيل» للروائي المصري عزت القمحاوي، و«أهل الهوى» للروائية اللبنانية هدى بركات.

فيما يذهب عدد من النقاد إلى أن تعاطي الكتابات العربية من النوفيلا قديم، إذ تعامل معها عميد الأدب العربي طه حسين، وصاحب نوبل نجيب محفوظ، وعباس محمود العقاد، وجبران خليل جبران، وغسان كنفاني، ويوسف إدريس، خاصة في روايته مثل «الحرام»، و«العيب»، كذلك بعض كتابات محفوظ ك«الكرنك» و«يوم مقتل الزعيم»، و«رحلة ابن فطومة».

وفي الوقت الراهن، لا يمكن أن نتجاهل كاتب الروايات القصيرة المغربي محمد سعيد احجيوج الذي بدأ قاصّاً قبل أن يتخصص في النوفيلا، وتُوّج بجائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة في دورتها الأولى، وراكم عدداً من العناوين في جنس النوفيلا، منها «ليل طنجة»، و«كافكا في طنجة،» و«أحجية إدمون عمران المالح».

التحولات

ومع التطورات التي تشهدها البشرية خلال العقود الأخيرة على نحو متلاحق، انتقل مجتمعنا تدريجياً من ثقافة الكلمة المطبوعة إلى ثقافة الكمبيوتر التي تنظمها الكلمة الرقمية. ويبدو أن الأداء المتفوق لأجهزة الكمبيوتر كل يوم، يجعل الأدب المطبوع أكثر تقادماً، فقد قضى البريد الإلكتروني وغرف الدردشة تقريباً، على الرسائل التقليدية المكتوبة، واستبدلت الإنترنت الحاجة إلى المكتبات والكتالوجات الورقية، وقريباً، قد يسود النص التشعبي، وهي ملاحظات، أو تطورات من الضروري دراسة التوقف أمامها. هذه التطورات ألقت بظلالها الفكرية على الكتابة الأدبية ومتلقيها، فكلما تعقدت الأمور تكنولوجياً، باتت الرؤى أكثر ميلاً إلى التبسيط، حتى إن بدا تبسيطاً مخلّاً، وللهرب من هذا السياق، قد يلجأ قطاع من القراء إلى قراءة الأعمال التي تتبنى زاوية واحدة، وتنتج من خلال شخصية رئيسية واحدة، فالعالم متشعب ومعقد بما يكفي في عصر التكنولوجيا الفائقة، وسيادة رؤى ما بعد الحداثة.

وأدت سرعة إيقاع العصر في التغيير والتطور، وسرعة تغيّر التوجهات الفكرية والسياسية والاقتصادية، وتوالي أحداث عالمية مؤثرة، إلى أن تصبح الرواية القصيرة شكلا سردياً يتساوق وإيقاع هذا العصر الراكض اللاهث المتوتر. ومؤكد أن الضغوط التي يعانيها الإنسان المعاصر ورغبته الدائمة فى التغيير والتجديد، تجعله لا يُقبل على كتابة الرواية الطويلة، أو الملحمية ذات القواعد الكلاسيكية المحددة، أو قراءتها ومتابعتها، ما هيّأ فرصاً ذهبية لكتّاب الرواية القصيرة فانتشرت رواياتهم، واتسعت قاعدة قرائهم، ما يمكن أن تتسع على نحو أكثر خلال السنوات المقبلة.

تغيير متواصل

التطور سمة ملازمة للكتابات الأدبية والأعمال الفنية، ويكمن جوهر الممارسة الإبداعية في مواصلة التغيير، الذي يلازم الإبداع في العربية «الإتيان على غير مثال سبق»، ما يعني أن كل عمل إبداعي هو تطور عن الأعمال السابقة، في الشكل والمحتوى، وفي التقنيات والبُنى، وهو ما نتوقعه أن يجري على نحو أكثر وضوحاً مع الكتابات السردية في السنوات المقبلة، خاصة الرواية القصيرة أو «النوفيلا».