الشارقة: يوسف أبولوز

الرواية القصيرة أو «النوفيلا» شكل سردي واسع الانتشار عالمياً له تعريفاته وكتاباته الإمتاعية التي تعلق في الذاكرة: «العجوز والبحر» لهمنغواي، «الغريب» لألبير كامو، «التحول» لكافكا..الخ، إلا أن هذا الشكل خجول على المستوى العربي، برغم صدور الكثير من الروايات القصيرة أو «النوفيلات» إلا أن الرواية الطويلة تحتل المشهد بأكمله على مستوى النقد والإعلام، وربما لا تترك أية مساحة ل«النوفيلا» برغم أن مناخ العصر بسرعته وأدواته ربما يرشح «النوفيلا» بتكثيفها وأسلوبها لتحتل واجهة المشهد السردي في المستقبل القريب، الملاحظ أيضاً ذلك الجدل حول «النوفيلا» في الساحة العربية، وتلك المراوحة في تعريفها، وحيرة البعض في توصيفها: رواية قصيرة أم قصة طويلة؟، وفي هذا الملف من «الخليج الثقافي نحاول أن نضيء على أحوال «النوفيلا» من أبعاد عدة.

قبل الإشارة إلى ثلاثة أعمال سردية إماراتية بوصفها «نوفيلا» روائية قصصية من حيث ما يسمى التجنيس الأدبي، سأذهب إلى التعريفات الاصطلاحية التي وردت في أكثر من مصدر ثقافي، وعدا عن التعريف التبسيطي المتداول الذي يقول إن «النوفيلا» هي القصة الطويلة أو الرواية القصيرة، فإن للنوفيلا أكثر من تعريف مرتبط أيضاً بتاريخ ظهور هذا الفن الذي يتداخل فيه نسيج الرواية مع نسيج القصة أو العكس، أما المشتركات بين القصة والرواية أو بين الرواية والقصة فهي واحدة: السرد، الشخوص، أحياناً الحوار، ثم ما يسمى العقدة وإلى آخره من عناصر معروفة في السرد عموماً.

لكن ما هو غير معروف بالضبط هو:.. ما هي النوفيلا؟.. هل لها تعريف نهائي، قطعي، ثم هل كل قصة طويلة على شكل رواية قصيرة هي «نوفيلا»؟ أما أن هناك عناصر فنية «داخلية».. «داخل النص» تحدد في ما إذا كان هذا النص «نوفيلا».. أم لا؟.. وهذه نقطة مهمة لم يحسمها نقاد وكتّاب الأدب الروائي والقصصي؟ وربما يعود عدم الحسم هذا إلى كون الرواية الطويلة أو الرواية المتعارف عليها عموماً هي السائدة، أما «النوفيلا» فهي ليست ظاهرة مُتَغَّيبة، مقروءة وَمُلاحظة في السرد العربي، بل، هناك كتّاب نوفيلا عرب «متفرقون» إن جازت العبارة، لا يشكّلون معاً ظاهرة أو «تياراً» كتابياً مترابطاً، ممتداً أو متكاملاً في ما يمكن أن يسمى «السردية العربية»، في حين أنه أمكن ملاحظة توجه العديد من كتاب السرد في الإمارات إلى «النوفيلا»، وبعد الإشارة إلى النماذج الإماراتية الثلاثة لِ «النوفيلا»، سأجتهد، وأطرح، نقاطاً تشير في مجملها إلى الأسباب التي دفعت الكتّاب والكاتبات في الإمارات إلى التوجه إلى فن «النوفيلا»، على أن محاولتي هذه لن تخدم الأدب الإماراتي من حيث ملاحظة ظواهره وتحولاته ومشتركاته إلا إذا تبعتها كتابات نقدية متخصصة في الساحة الثقافية الإماراتية، وإنني لأحسب أن هذا الدور الثقافي والنقدي إنما يقع في ضمائر نقاد الأدب في الإمارات سواءً أكانوا كتاباً إماراتيين مواطنين، أم كانوا كتاباً عرباً وافدين أرى أن من واجبهم أن يقرأوا جيداً الأفق الأدبي المحلي الذي يعيشون فيه بعيداً عن حالات مرفوضة مثل الانقطاع عن الأدب والثقافة الإماراتية، والتقوقع، وكأن هؤلاء الكتاب العرب الوافدين إلى الإمارات، وبخاصة نقاد الأدب منهم لا شأن لهم بالحياة الثقافية وهم جزء حيوي من هذه الحياة.

تعريف

من الطريف هنا أن أذكر أنني أعود في الكثير من حاجتي إلى تعريف المصطلحات.. أعود إلى الموسوعة العربية «الإلكترونية»، وما لفتني حقاً أنني لم أجد تعريفاً للنوفيلا في تلك الموسوعة غير أنني سأعود هنا إلى مادة مهمة منشورة في جريدة الرأي الأردنية في فبراير 2009 للكاتب إياد نصار، ومن الواضح أنه بحث بجدية وفي أكثر من مصدر يقرب لنا تعريف النوفيلا، وينقل نصار عن دائرة المعارف البريطانية أن النوفيلا سرد قصير محكم البناء واقعي أو تهكمي النبرة في الغالب، نشأت في إيطاليا في العصور الوسطى، وكانت ترتكز على أحداث محلية ذات طبيعة هزلية أو سياسية أو عاطفية، ويجد نصار تعريفاً آخر للنوفيلا في قاموس «ديكشنري دوت كوم»: «هي حكاية أو قصة قصيرة من النوع الذي جاء في كتاب ديكاميرون للإيطالي جيوفاني بوكاتشيو»، ويضيف القاموس: «النوفيلا سرد نثري خيالي أطول من القصة القصيرة وأكثر تعقيداً»، ويبحث نصار في قاموس التراث الأمريكي للغة الإنجليزية الذي عرف النوفيلا على أنها حكاية نثرية قصيرة تتسم في الغالب بالدرس الأخلاقي أو بالتهكم وهي رواية قصيرة، أما الويكيبديا فتقول «النوفيلا سرد خيالي نثري أطول من النوفوليت، وهي الكلمة الإيطالية التي تشير إلى القصة القصيرة، ولكن أقصر من الرواية».

أمام شبكة هذه التعريفات يقف المرء حائراً في اعتماد أي تعريف منها بخاصة إذا كان قارئ نوفيلات، ففي رواية «الحمامة» مثلاً للكاتب الألماني باتريك زوسكنيد لا نجد أي شبه بينه وبين قصص الديكاميرون، كما أن «الحمامة» رواية حارس بنك يعيش أزمة نفسية ووجودية من تطيره ذات صباح حين رأى حمامة عند عتبة بيته وهو يهم بالخروج إلى عمله، وشخصياً لم أجد في «الحمامة» ما يتوافق مع مضمون التعريفات المذكورة قبل قليل للنوفيلا.

قصة «المعطف» لغوغول أيضاً هي قصة رجل يحمل أعباء العالم على كتفيه لمجرد أن معطفه تهرّأ وهو في حاجة «وجودية» لهذا المعطف، وليس في القصة أية إشارات سياسية أو تهكمية بالمعنى الساخر أو بمعنى السخرية، وباختصار، أرى أن التعريفات المتصلة بالنوفيلا تفتقد عناصر مهمة غائبة كلياً على المجتهدين في هذه المصطلحات، وعلى سبيل المثال: هل الزمن في الرواية هو نفسه الزمن في القصة القصيرة؟ إذا كان ثمة من اختلاف بين الزمنين، فإن زمن النوفيلا هو الآخر يختلف عن زمني الرواية والقصة ذلك أن النوفيلا باختصار هي هجين رواية وقصة.. لا هي رواية، ولا وهي قصة، وبالتالي، فإن زمن النوفيلات، وطبائع نفسيات شخصياتها، وأماكنها، ومصائر شخوصها تختلف بالمجمل عن فضاءات ومفردات البيئتين:.. البيئة الروائية، والبيئة القصصية.

بقيت إشارتان لا بد منهما.. الأولى: لا أعتبر أن قصص الديكاميرون هي نوفيلات، وإن طالت بعض القصص فإنها ليست نوفيلا بمعنى الزمن الروائي أو الزمن القصصي، كما أشير إلى كتاب بعنوان «روايات شهيرة بصفحات قليلة» يعرّف بسبع نوفيلات: «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل «144 صفحة»، «حجر الصبر» لعتيق رحيمي«144 صفحة»، «لاعب الشطرنج» لستيفان زفايج «97 صفحة»، «الأجنحة المتكسرة» لجبران خليل جبران «100 صفحة»، «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي «147 صفحة»، و«الغريب» لألبير كامو «191 صفحة» و«الحمامة» لزوسكيند «79 صفحة»، وكلها نقلت إلى العربية، غير أنني لا أتفق مع هذا التصنيف إذا استثنى «الشيخ والبحر» و«الغريب» من تصنيفهما بوصفهما سرد نوفيلا.

نماذج

تقع «سيح المهب» لناصر جبران في 110 صفحات من القطع الصغيرة أو القريب من المتوسط، وتتحدث النوفيلا مركزياً عن التركيبة السكانية في الإمارات، وصعود بعض الشخصيات الطفيلية الوافدة على البلاد إلى مستويات ومواقع تؤثر في نظافة البيئة الاجتماعية وأخلاقياتها، كما أن نوفيلا «سيح المهب» هي نوفيلا حنين إلى الصحراء، وهي أيضاً نوفيلا بحر وأماكن يعاينها يومياً «حميد» إحدى شخصيات الرواية الذي يبدو كأنه شاهد عيان على حركة الناس، وردود أفعالهم التلقائية، وعشعشة الانتهازيين والطفيليين في المجتمع الذي تتعرض طفولته وبراءته للانتهاك من جانب فئة من النفعيين الوافدين إلى البلاد.

وجاءت نوفيلا ثاني السويدي «الديزل» في نحو 100 صفحة من القطع المتوسطة. زمن هذه النوفيلا زمن بحري إن جازت العبارة. إنها تتشارك أو تشترك مع «سيح المهب» في فضاء البحر، بل إن الديزل الذي يتحول إلى أسطورة في هذه النوفيلا هو ابن بحر. ولد من البحر نوفيلا بحر في بحر. حتى تتحول النوفيلا برمتها إلى قصيدة.. خذ مثلاً هذه الومضات التي تختزل الزمن والأشخاص والأحداث في شعريتها المدهشة:

-الشمس تبكي ضوءاً- المرأة هي تكونينا الأول

- ساعة الكون هي الشمس

- المعصية تبغ الدم.. وغيرها من ومضات بل إشعاعات شعرية تتحول معها النوفيلات إلى نص شعري يزيح ما هو سردي إلى ما هو حلمي، بل، وسوريالي في الكثير من الأحيان.

جاء «تربيع أول» لسعيد الحنكي في 120 صفحة من القطع المتوسط. نوفيلا بحر أيضاً. بل هي نوفيلا أحلام رجل في أن يصبح قلافاً «.. القلافة هي مهنة صناعة المراكب والقوارب في عز مرحلة صيد اللؤلؤ في الخليج العربي».

الرجل متعلم، جامعي بل أستاذ جامعي، ولكن حنينه إلى زمن طفولته وصباه وفتوته دفعه إلى زيارة بيتهم القديم في حي المعيريض في رأس الخيمة، وهنا يحيط بالرجل مونولوج حنيني يعصف به، ويوقفه عند نقطة واحدة. «يجب أن أتخلى عن كل شيء وأصبح قلافاً» على رغم العوائق التي تواجهه لكن حين يكون القمر في تربيعه الأول: «لن يأبه لمن يتندرون به، حتى أولئك الذين تضاحكوا حينما رأوه زورقاً، إذ خانته يده، على الرغم من بساطة استخدامه..».

تفسير

لماذا يتجه كتاب وكاتبات بخاصة من الجيل الجديد لكتابة النوفيلا؟.. سؤال تحتاج إجابته إلى بحث ميداني يعاين عملياً وعلمياً حجم «الكتابة النوفيلية» إن جازت العبارة في الساحة الأدبية المحلية، وربط ذلك، بمرجعيات هؤلاء الكتاب، ورؤيتهم للمكان الذي ينطلقون منه في الكتابة، فضلاً، عن قراءة الزمن الثقافي والنفسي الذي يحيط بهم.. ولكن، من ناحية اجتهادية.. أرى أن التوجه إلى النوفيلا يعود إلى سرعة إيقاع الحياة المعاصرة، النوفيلا لا تحتاج إلى وقت كتابة طويل، والقارئ يعرف أن هناك روايات كلاسيكية أو تقليدية في تاريخ السرد العالمي استغرقت عشرات السنوات للانتهاء من كتابتها، فيما النوفيلا، واقعياً وعملياً لا تحتاج إلى وقت طويل، فضلاً، عن إيقاع الحياة السريع في حد ذاته، إيقاع الاستهلاك السريع أيضاً.

تساعد النوفيلا على تحديد المشهد الروائي، وأيضاً تحديد الزمن الروائي، وفي العادة يعود الكثير من كتاب وكاتبات الإمارات إلى مشهد حنيني، ماضوي، هو في الغالب مشهد محدد – مشتق غالباً من بيئة البحر المحددة في إيقاع يومي شبه رتيب. فمن الشاطئ، إلى المركب، إلى رحلة الغوص، ثم العودة إلى المرفأ أو إلى الميناء، وبالتالي، يتحدد المكان بما تمليه بيئة البحر، ولعل الكاتب الإماراتي يرى أن هذا التكثيف المكاني والزمني إنما تستوعبه النوفيلا أكثر من غيرها من أشكال التعبير الأدبي.

أخيراً، النوفيلا تغري بالكتابة، لاحظ كيف تحولت عند ثاني السويدي إلى قصيدة، وعند سعيد الحنكي إلى مونولوج حنين، وعند ناصر جبران إلى صرخة شجب لكل من يخدش براءة المكان... تلك هي الكتابة القليلة التي تحمل ذاكرات كثيرة.