الشارقة: يوسف أبولوز

يعبّر التشكيل الإماراتي عن حالة متوهجة، فعلى مدار عقود طويلة تراكمت الرؤى والأطروحات على أيدي أجيال متعاقبة من الفنانين، الذين لم يدخروا جهداً في إشاعة مفاصل الجمال في اللوحة والمنحوتة..إلخ. وعبّر فنانونا عن الوطن ببيئاته المختلفة، ونهلوا من التراث بمختلف أشكاله، وانفتحوا على العصر ليواكبوا اتجاهات الفن في العالم، وانتجوا أعمالاً تخطف البصر، وتحاور الوجدان، وترتقي بالذائقة.

كل فن في سياق مرحلته الثقافية والزمنية هو فن جديد. التكعيبية حين ظهرت في نحو عام 1910، كانت مدرسة جديدة في الرسم، واليوم بعد مضي أكثر من قرن على تلك المدرسة التي ظهرت في فرنسا لا تجد أحداً من فنّاني ما بعد الحداثة معنياً، حتى بيكاسو، بانشغالات، التكعيبية، والسوريالية «فوق الواقعية» التي ظهرت في فرنسا أيضاً في النصف الأول من القرن العشرين كانت الفن الأكثر جدلاً في أوروبا وفي العالم، واليوم أيضاً لا تجد أحداً معنياً بما هو فوق الواقع عند سلفادور دالي، وهكذا تمر فنون العالم التشكيلية والنحتية وحتى السينمائية والمسرحية والموسيقية بدورات متقاربة أحياناً، وأحياناً دورات متباعدة، ولا تلبث هذه الدورات الجديدة أيضاً في الأدب «الرواية والشعر» أن تصبح ذاكرة ماضوية.

غير أن «الفن الجديد» في رأيي المتواضع هو الذي يكسر المألوف والسائد والمهيمن في زمنه، لكن من دون حرق المراحل، كأن يكون الفنان مستوعباً تماماً لمرحلته الثقافية والتشكيلية، بل ويمارس معطياتها، ولكنه، في لحظة فكرية ونقدية، يتجاوز ثوابت مرحلته تلك، ويقترح «خطاباً» بصرياً جديداً في الفنون التشكيلية إن جازت العبارة، وسوف يعاني النبذ والإقصاء و«الطرد من القطيع»، كما حصل مع الفنان حسن شريف على سبيل المثال، غير أن الفنان المثقف الخلّاق – يواصل فكريته ونقديته، ويصل بقوة فنه إلى الجواب الفني والوجودي على سؤاله أو تساؤلاته الفكرية والثقافية.

قاعدة

في الإمارات حركة تشكيلية حرّة، متكاملة ومتجددة منذ الثمانينات «أوائلها تحديداً» وإلى اليوم، ومنذ تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في عام 1980، أصبح للفنانين الإماراتيين قاعدة ثقافية بالدرجة الأولى، وسوف تنظم الجمعية معرضها السنوي بتجارب إبداعية طموحة دائماً إلى الفكر الجديد، والثقافة الجديدة، وسوف تتلاقى أحياناً، وأحياناً تتقاطع بل وتتكامل تجارب فنية إماراتية اشتغل عليها فنانون وفنانات يدركون منذ البداية ثقافة التشكيل والنحت والعمل الفني.. إننا فعلاً في قلب خريطة تشكيلية إماراتية يسعى فيها كل عنصر فني إلى إثبات وجوده الإبداعي، ووجوده الشخصي أيضاً عبر الفن.

في الإمارات تجارب صافية، مرة ثانية مثقفة على صعيد اللون واللوحة المسندية وتاريخها، ورسم الطبيعة ورموز المكان والإنسان.. وعلى سبيل المثال، راجياً دائماً أن يعذرني من لم يذكر اسمه من باب النسيان فقط:.. عبدالقادر الريس، د. محمد يوسف، ميسون صقر، محمد المزروعي، عبدالرحيم سالم، نجاة مكي، محمد الاستاد، خليل عبدالواحد، ناصر نصرالله، ابتسام عبدالعزيز، موسى الحليان، مطر بن لاحج، خلود الجابري، كريمة الشوملي، منى الخاجة، عبيد سرور، هاشل اللمكي، شفا غدّار، وفاء خازاندار، وأحمد الأنصاري.

هذه القائمة التشكيلية وغيرها من أسماء اشتغلت على ما هو واقعي مكاني كلاسيكي، وبعضها اشتغل على رموز المكان، وبعضها ذهب إلى ما هو رومانسي غنائي، والبعض ذهب إلى التجريد، وكل اجتهاد فني يستند بالطبع إلى ثقافة كل فنان، وينابيعه الفكرية والمعرفية.

تجربة الخمسة

إذا أردنا أن نحدد قائمة في حد ذاتها تشكل نموذجاً صافياً تماماً للفن الجديد في الإمارات، فهي قائمة «الخمسة» في رأيي الشخصي مرة ثانية، والخمسة هم: حسن شريف، وشقيقه الأصغر حسين شريف، ومحمد كاظم، ومحمد أحمد إبراهيم، وعبدالله السعدي.

أولاً خرج هؤلاء الخمسة من اللوحة المسندية، وذهبوا إلى ما يقولون عنه باختصار شديد «العمل الفني»، والبعض حدد هؤلاء في النموذج الفني المعروف ب «الفن المفاهيمي»، لكن فناناً مثل حسن شريف وهو الأب الروحي للخمسة يفضل تسمية «العمل الفني» بل «العمل الفني الجديد» على أي مصطلح آخر.

ذهب حسن شريف إلى إنتاج فن أرضي، يطرح على البلاط وليس معلّقاً على جدار، لقد ذهب إلى جمع الكرتون، والأسلاك، ومادة التوتياء والحدائد، والخيوط، والحبال لينتج – فناً صادماً بالفعل في أواسط ثمانينات القرن العشرين، وكان بعض المصدومين يخرجون من معارضه الكرتونية تلك وهم يتساءلون:.. ما الذي يفعله هذا المجنون؟.

.. ولكن هذا المجنون أولاً لم يحرق المراحل، فهو رسم اللوحة الزيتية المسندية، ورسم بالماء والفحم والرصاص والحبر أكثر من ذلك رسم حسن شريف الكاريكاتير في أول ظهور صحافة الإمارات، وهذا المجنون الآن لوحاته معروضة في أكبر متاحف وغاليريهات الفن في العالم، وتقترب أسعار بعضها من الملايين، بعد أصبح بفنه الجديد، أو برؤيته التشكيلية الجديدة فناناً عالمياً.

تعود تجربة حسن شريف إلى عام 1970، وهو يقول: «شعرت منذ عام 1982 أن هناك فجوة بين اللوحة وبين النحت التقليدي، ويجب البحث عن العمل الفني في هذه الفجوة، ومنذ ذلك الحين بدا لي أن العمل الفني ليس هو اللوحة ولا النحت بل هو»شيء آخر».. هكذا حاولت ملء هذه الفجوة..».. توفي حسن شريف في عام 2016.

الفنان محمد كاظم هو الآخر أصبح عالمياً بفن جديد ورؤية تشكيلية جديدة قائمة على قراءات وتأملات عميقة وهادئة في الأدب والفلسفة والميثولوجيات والأديان، وأشير هنا بالمناسبة، إلى أن هؤلاء الخمسة يقرأون الفلسفة والرواية والفكر والأسطورة، وكلهم يقرأ بأكثر من لغة: حسن شريف كان قارئاً نهماً بالفارسية والإنجليزية والعربية، وكثيراً ما دلّني أنا شخصياً على روايات بعينها كان هو قرأها بالإنجليزية مثل بعض روايات الألماني هرمان هيسّه.

نعود إلى محمد كاظم.. اشتغل على الصناديق الخشبية، والشاخصات التعريفية بشأن أمكنة أو بيوت أو شوارع، استخدم الرمل والحطب «سيرة ذاتية»، وركّز على الاتجاهات وصنع لوحة مفاتيح، كما استخدم الألمنيوم والإكريليك، هو أيضاً لم يحرق مراحل. بدأ باللوحة المعلقة أو المسندية، وذهب إلى العمل الفني المصنوع بجهد يدوي مرهق أحياناً.. يقول: «.. كل ما يعنيني الآن هو أن أنتج أعمالاً فنية بغض النظر عن التسميات والأساليب».

ركز حسين شريف على الكولاج، وتعود تجربته الفنية إلى عام 1986.. منذ آنذاك يقول: «بدأت أشعر بعدم اقتناعي بالباليته - وهي قطعة الخشب الخاصة بمزج الألوان-.. ويضيف.. «بدأت استخدم أي سطح أضع عليه ألواني بدون ترتيب وأمزج بعضها ببعض بدون قواعد علم مزج الألوان، هكذا أشعر بأن هذا المزج أقرب إلى نفسي.. إنه مزج ارتجالي. استخدم قماشاً رخيصاً وعادياً أقوم بتجهيز وتأسيس اللوحة بمواد بسيطة. استخدم في بعض لوحاتي ألوان الأميلشن وهو صبغ مائي للجدران متوفر في الأسواق ورخيص الثمن..».

انضباط

.. لكننا حين نشاهد أعمال حسين شريف وبعضها يقوم على أسلاك وخِرق وعلب حديدية وخيوط، فإننا لا نجد أي ارتجال، بل هي لوحة منضبطة منظمة وإذا شئت هي لوحة موزونة الألوان.

محمد أحمد إبراهيم «مواليد 1962» ذهب إلى كسوة سيقان الأشجار بالقماش الملون البهي كما لو أنه يقمط طفلاً «الطفل – الشجرة» أو «الشجرة – الطفل»، ذهب أيضاً إلى زخرفيات ومثلثات ومربعات مهندسة منمنمة فوق الكراتين برسم يده الدقيق، وأيضاً الموزون.

أول معارضه الفردية كان في عام 1991 في الشارقة، واليوم تمثل بعض أعماله دولة الإمارات في أكثر بيناليات العالم شهرة وعالمية.

محمد أحمد إبراهيم هو الآخر لم يحرق المراحل، بدأ باللوحة، ولكنه وسع مدى اللوحة بما يشبه البحث الجيولوجي في الأرض وحجارتها مستخدماً ورق الأشجار والغراء ويسمى عمله هذا أي تقميط الأشجار ب «أشجار مقمشة»، وقد قمّش محمد أحمد إبراهيم الكثير من الأشجار في جبال خورفكان، وجعلنا نذهب إلى أمكنة تقميطه وتقميشه في المكان الجبلي، ولا نكتفي فقط بالشجرة الوحيدة اليتيمة في اللوحة.

عبدالله السعدي «مواليد 1967».. خورفكان، هو الآخر رأى في الجبال أفقاً أكثر صدقية تجاه عمله الفني. لقد جمع كائنات المكان الجبلي: من حشرات وزيزان وكائنات زاحفة أو طيّارة. احتفظ بها وحنّطها، ولم يكتف بذلك، ركب دراجة هوائية ورحل وراء ما يريد..يقول.. «لقد قمت برحلات بالدراجة الهوائية حول الإمارات في أوقات مختلفة، وامتع تلك الرحلات هي الرحلات التي قمت بها إلى بعض المناطق الجبلية ك رؤوس الجبال، في كل رحلة أقوم برسم الاسكتشات لبعض المناظر الطبيعية واسجل يومياتي في دفتر مذكراتي..».

رحلة خاصة

عبدالله السعدي لا يلوّن البيئة التي يسكن فيها، بل يتعرف إلى هذه البيئة عن طريق الدراجة، يقول: «.. أثناء الرحلة أقوم بجمع الحشرات الميتة واحفظها في صناديق معدنية أنيقة وأمينة، أيضاً أقوم بجمع العظام المتروكة هنا وهناك في الطبيعة، واحضرها إلى مرسمي، أنظفها استعداداً لعرضها على الجمهور..»منسيات وميتات الجبال من حشرات وطيور وزواحف، وحتى تلك العلب الفارغة المرمية في عزلة العراء هي معاً: «متحف عبدالله السعدي الخاص».. هذا عالمه الذي جمعه وهو راحل على – دراجة نارية، بل هذه هي قناعاته التي جعلته يثق بهذا النوع من الفن.. الفن الجديد.. فن الحياة والبرية والأشياء المهملة المنسية، والكائنات التي ترحب بكل من يزورها، ويحتفظ بها حية أو ميتة.

اقرأ أيضاً

40 عاماً من التوهج الفني