الشارقة: علاء الدين محمود

«البيئة الإماراتية بمختلف مفرداتها، سواء كانت بحرية أو صحراوية أو جبلية أو زراعية، تحفل بالتنوع الذي منح الفنان أبعاداً بصرية مختلفة، ومن خلال أول معرض لي سنة 1987، تشكلت لوحاتي من ألوان البيئة ومواضيعها». تلك الكلمات هي للفنانة التشكيلية الإماراتية د. نجاة مكي، صاحبة التجربة والرؤية المغايرة، والأطروحات اللونية المختلفة، إلى حد أن وصفت بعاشقة الألوان، فهي تصيغ تفاصيل مشروعها الجمالي والفني من خلال تجربتها الحياتية وتأملها في البيئة والطبيعة المحلية ويوميات المجتمع والتفاصيل الصغيرة التي يصعب الانتباه إليها من قبل الأشخاص العاديين، مما يشير إلى قوة الالتقاط لدى نجاة مكي، تلك التشكيلية التي احتلت مكانة متميزة في خريطة الفنون الإماراتية والعربية وكانت لها بصمتها الخاصة التي عرفت بها.

 

كثيرة هي العوامل التي كونت وجدان نجاة مكي وشبعته بالألق الإبداعي، لكن على رأس تلك العوامل تحضر الطبيعة الإماراتية بألوانها وصورها ومشاهدها المختلفة كعنصر أساسي، حيث إن «ألوان الحياة»، كانت هي المادة التي شكلت أعمال ورسومات الفنانة الكبيرة لتبدأ مرحلة التوهّج والصعود في فضاءات التشكيل لتكتب اسمها بأحرف من نور الألوان، التي عشقتها وأبدعت في مزجها داخل اللوحة الفنية، ولئن كانت نجاة مكي تمارس فعل التأمل والتقاط تفاصيل الوقائع اليومية لتحولها لمادة فنية، فإن هذه العملية لا تخضع عندها فقط للملاحظة والرصد البسيط، بل بكثير من القلق المنتج للإبداع والذي تظهره ضربات الفرشاة من خلال خطوط متداخلة تعكس تلك الإرادة في خلق الحوار الجمالي بين الأشياء.

  • رحيق الأمكنة

في كل لوحة من لوحات مكي، صور وحكايات ملونة، تطل على مفردات البيئة المتباينة في ألوانها، فهي تعنى بأهمية التنوع بالنسبة للمبدع، حيث إن الفنان إذ سار على طريق أو إيقاع واحد فهو لا شك يقدم شيئاً مملّاً ومكرراً، ولذلك لابد من تطوير القدرات البصرية والانفتاح على مواضيع وأشياء متعددة من حولنا، وتقول: «في البيئة الإماراتية نلاحظ التدرج اللوني للجمال، الأصفر في الصخور والجبال، والعشب الأخضر الذي ينمو على قمم السفوح، وألوان مختلفة تخلق تمازجاً فريداً له أثره على العين، سواء المشاهد أو الفنان».

  • غموض البحر

وتتنقل نجاة مكي بين سحر الطبيعة والبيئة، فتطل على عالم البحر الساحر المحتشد بالغموض والأسرار، وما يفعله في روح ووجدان الفنان، وتقول: «للبحر قدرة في منحي الشعور بالحياة، والتحرر من كل ثقل، فهو الجمال الخالص، والمشاهد المفعمة بالحياة مثل منظر النوارس وجمال الأمواج»، ولقد كان لتأمل البحر وتقلبات أمواجه وألوانه حكايات مع الفنانة التي صنعت الكثير من اللوحات المشبعة بعبق البحر وزرقته الساحرة، وتشير إلى أن ذلك الفضاء اللوني المختلف في أشكاله في الإمارات كون عشقها للألوان، فالبيئة الإماراتية صافية ولها مردود جمالي كبير في نفس أي مبدع في شتى المجالات المختلفة، وترسم نجاة مكي صورة بالكلمات عامرة بالرؤى اللونية في وصف الطبيعة الإماراتية، وتقول: «حتى في عز القيظ من أيام الصيف الحارقة، فإن تعامد الشمس على الأرض يجعل أشجار النخيل تفرد ظلالها على الأرض، فتصنع مشهداً في غاية الروعة والجمال».

  • دكان العطارة

تتلفت نجاة مكي بقلبها إلى السنوات الباكرة من حياتها في دبي، حيث كانت الأشياء من حولها تغريها بالرسم ومعانقة عوالمه الجميلة، إذ كان والدها عطّاراً يمتلك دكاناً لبيع الأعشاب الطبيعية، وكانت أمتع الأوقات تلك التي ترافق فيها والدها إلى دكان العطارة، وهنالك كان مختبرها الفني الأول، وكان الوالد قد لمح فيها تلك الموهبة الفنية التي بدأت تتشكل عندها، فيمنحها أوراق الأكياس لتمارس عليها شغفها في الرسم بالفحم للمشاهد التي تلتقطها عينها الفاحصة المبدعة، ومن خلال أرفف العطارة كانت تمتع ناظريها بثراء لوني وفني لا تتكشف أسراره إلا لعين فنان يبصر ما وراء الأشياء من معنى، وهذا ما اكتشفته من خلال أكوام البهارات والتوابل، فصارت مفتونة بمنظر الفلفل المجفف، وأكوام العُصفر، ورائحة القرفة، وهذا الأمر كان له تأثيره الكبير وانعكاساته في أعمالها الفنية، فهي تستخدم في بعض لوحاتها ورسوماتها مواد العطارة مثل الحناء والزعفران وغيرها من تلك المواد التي أسهمت في تكوينها الفني، حيث استمدت منها ذلك المزيج والاحتشاد اللوني الفريد والمختلف الذي نجده في لوحاتها، وعبر هذه التكوينات صار لها بصمتها الفنية الخاصة، وتقول عن هذه التجربة: «قمت بتوظيف مواد العطارة في اللوحة الفنية لأبرز التراث من خلال هذه الألوان، وفي أحد معارضي قمت باستخدام الأعشاب والمواد الشعبية التي تستعملها النساء في الزينة، وقد أضافت على اللوحة الفنية جمالاً بعد أن أضفت لها بعض الألوان».

دكان التوابل شكّل محطة شديدة الخصوصية والإلهام في حياة نجاة مكي، فعبر الجمال الذي وجدته في الأشياء المتناقضة والمتباينة في الطبيعة تعلمت من خلاله كيفية صناعة مزيج فني متآلف ومتناغم، حيث تقول: «تلك الأعشاب الزاهية في ألوانها والتي تبعث على البهجة فتحت عيني على رؤية مختلفة للألوان الطبيعية، مما منحني مشاهدة بصرية وروحية، فمن خلال التأمل العميق في ذلك المزيج اللوني تسربت إليّ أحاسيس ومشاعر مختلفة كان لها دور في مسيرتي الفنية».

ولعل من أهم المحطات في مسيرة نجاة مكي هي المدرسة الابتدائية، خاصة مادة التربية الفنية التي شهدت مولد موهبتها من خلال رعاية معلمة المادة لها وتشجيعها على الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، لتنطلق رحلتها مع الألوان والأشكال، حيث جمعت بين مجالين فنيّين، الرسم التشكيلي والنحت البارز فبرعت في المجالين، وكذلك في مجال مسرح العرائس، كما اهتمت بالشعر واستلهمت بعض قصائد طاغور شاعر البنغال العظيم، وعمر الخيام، ووظفتها في لوحاتها في قراءات بصرية مدهشة.

  • إضاءة

ولدت الدكتورة نجاة مكي في بر دبي عام 1956، وحصلت على درجتي البكالوريوس والماجستير في النحت الزخرفي والمعادن من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، كما نالت منها درجة الدكتوراه في فلسفة الفن عام 2001، حيث كانت أول إماراتية تحصل على منحة حكومية للدراسة في الخارج «1977». وعُرضت أعمالها كثيراً على المستوى العالمي.