حنّا زيادي*
منح الناخبون البريطانيون حزب العمال أول انتصار انتخابي له منذ عقدين من الزمان، على أمل أن تعمل حكومة يسار الوسط الجديدة على إحياء الاقتصاد البريطاني المريض وإصلاح الخدمات العامة المنهارة.
في حقيقة الأمر، تسدل هذه اللحظة التاريخية الستار على 14 عاماً من الحكم المضطرب لحزب المحافظين، الذي تميز بالتقشف، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومقامرة خفض الضرائب الكارثية، بالتوازي مع دخول السكان في حالة من الركود المالي، وتدهور مستويات معيشتهم، وجفاف الاستثمارات التجارية.
ويُعد الفوز الأخير انتصاراً أيضاً لكير ستارمر، المدعي العام السابق الذي دخل البرلمان عام 2015 فقط. ليصبح في 2024 رئيساً للوزراء خلفاً لريشي سوناك الذي استقال في أعقاب هزيمة المحافظين.
صحيح أن ستارمر وحزبه لم يُخفيا سعادتهما بالفوز، لكن بهجة النصر قد تتحول قريباً إلى خوف وقلق، نظراً للتحديات الاقتصادية التي تنتظر المملكة المتحدة. من حكومات محلية مفلسة، وبنية أساسية منهارة، ونقص الإسكان المزمن، مروراً بارتفاع معدلات التشرد، وأزمات خدمة الصحة الوطنية، والقائمة تطول.
ومن بين السكان المؤهلين للعمل (وهم 16 إلى 64 عاماً) البالغ عددهم نحو 42.4 مليون نسمة، هناك أكثر من 2.8 مليون عاطل بسبب المرض المزمن، وزُهاء 6.7 مليوناً آخرين يحصلون على مساعدات حكومية في إنجلترا واسكتلندا وويلز، عبر نظام «الائتمان الشامل»، ويشمل هذا العدد الكثير من العمال ومن غير المستغرب أن يكون البريطانيون تواقين للتغيير، ولكن قدرة الحكومة الجديدة على إصلاح هذه القضايا ستكون مقيدة بشدة بسبب عبء الديون الذي أصبح الآن أكبر من حجم الاقتصاد، الذي بالكاد نما العام الماضي، ما يعني أن زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق أمرٌ لا مفر منه.
الخبر السار، هو أن حزب العمال أعطى أولوية قصوى لتحفيز النمو الاقتصادي، من خلال زيادة الاستثمار العام، واستراتيجية صناعية جديدة، وإصلاحات سياسية. لكنه في المقابل التزم بخفض الدين الحكومي المرتفع للغاية، وتجاهل الخيارات الصعبة المتخذة بشأن حجم الضرائب والإنفاق لتحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، تأمل الحكومة الحالية أن يكون النمو الاقتصادي أقوى من المتوقع وأن يساعد في بلوغ هذه الأهداف.
من ناحية أخرى، يُصر حزب العمال على أن سياساته المعززة للنمو مُكلفة للغاية. ومن بين خططه الأكثر لفتاً للانتباه إنشاء «صندوق الثروة الوطنية» بقيمة 7.3 مليار جنيه استرليني (9.3 مليار دولار) للاستثمار في البنية التحتية والتحول إلى الطاقة الخضراء كجزء من استراتيجية صناعية أوسع، أعلنتها وزيرة الخزانة البريطانية الجديدة، راشيل ريفز.
بدورها، تستهدف شركة الطاقة الجديدة المملوكة للقطاع العام،«Great British Energy» إزالة الكربون من شبكة الطاقة في المملكة المتحدة بحلول عام 2030، بتكلفة 8.3 مليار جنيه استرليني (10.6 مليار دولار)، وسيتم دفع جزء من هذا المبلغ من خلال ضريبة الأرباح غير المتوقعة التي تم فرضها على شركات النفط والغاز.
ومن الأولويات الرئيسية لحزب العمال أيضاً، إصلاح قوانين التخطيط في بريطانيا، على أمل أن فتح الأبواب أمام طفرة في البناء توفر 1.5 مليون منزل على مدى السنوات الخمس المقبلة، ما يساعد في خفض تكاليف الإسكان لأسعار معقولة.
لكن في المقابل، وبينما رحب الكثيرون بتركيز حزب العمال على النمو، تحوم الشكوك حول قدرته على تطبيق خططه التنفيذية على أرض الواقع. وبصرف النظر عن الارتفاع الكبير في الاستثمار في المشاريع الخضراء، فإن جميع مجالات الاستثمار الأخرى سوف يتم تجميدها على مدى السنوات الخمس المقبلة، كما يشير معهد الدراسات المالية.
كما أن الزيادات المخطط لها في الإنفاق على الخدمات العامة المتهالكة، مثل الصحة والتعليم، ضئيلة وغير مشجعة.
في نهاية المطاف، ستحتاج الحكومة إلى زيادة الاستثمار من قبل الشركات، والتي عانت منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016، للوصول إلى أهدافها.
ورغم أن التركيز على اليقين السياسي وإصلاح التخطيط أمر مشجع، يبدو أن حزب العمال أقل طموحاً بشكل واضح عندما يتعلق الأمر بمجال ثالث حاسم لإحياء النمو الاقتصادي، وهو تعزيز العلاقة المهمة للغاية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، أكبر شركائها التجاريين. بعد أن أضر استفتاء عام 2016 بتجارة السلع في المملكة المتحدة، وألحق ضربة بالناتج المحلي الإجمالي للبلاد تقدر بنحو 2 إلى 4%.
ولكن على الرغم من خروج بريطانيا، هناك بعض النقاط المضيئة في التجارة. على سبيل المثال، نمت صادرات الخدمات البريطانية بشكل أسرع من متوسط مجموعة السبع منذ عام 2021.
ووفقاً لمؤسسة «ريزوليوشن»، أصبحت المملكة المتحدة الآن ثاني أكبر مصدر للخدمات في العالم، وهي الفئة التي تشمل التمويل والقانون والتعليم والهندسة المعمارية والفنون، خلف الولايات المتحدة فقط.
كما تتمتع بريطانيا بنقاط قوة أخرى، من المؤسسات القوية وسيادة القانون إلى الجامعات ذات المستوى العالمي والشركات المبتكرة والقوى العاملة ذات المهارات العالية.
سوف يحتاج ستارمر وحكومته الجديدة إلى البناء على هذه النقاط القوية، وتطوير نقاط إضافية، لخلق بيئة ناضجة للنمو وإحياء ثروات بريطانيا.
*صحفية لدى «سي إن إن» متخصصة في الاقتصاد الأوروبي