الشارقة: جاكاتي الشيخ
اكتسب الخط العربي أهميته من كونه عملية إبداعية تكتسي فيها الحروف والكلمات حلّة جمالية معبرة، وفق أصول وقواعد لم تكن معهودة في اللغات، ويقول عنه ياقوت الموصلي: «الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية، إن جَوَّدت قلمك جوّدت خطك، وإن أهملت قلمك أهملت خطك».
وأسهمت بعض المميزات الخاصة للكتابة العربية في وجود الخط، كفَنٍّ تصميمي يرتكز على مقاييس بصرية دقيقة، كاتصال الحروف الذي يسمح بقابليتها لاكتساب أشكال مختلفة، بخصائص جعلت هذا الفن يقترن، منذ قرون، بالزخرفة، فاستعمل في تزيين المساجد والقصور، وتحلية المخطوطات والكتب، خاصة القرآن الكريم، ليتطور في العصر الحديث كلوحات خطية مستقلة، ينفذها مبدعون، بذلوا الكثير من الجهد للوصول إلى مستوياتهم العالية.
يعتمد الخطاطون في الخط التقليدي اليدوي على مجموعة من الأدوات كالقصب، الذي تساعد قساوته أو ليونته الخطاط على تجويد عمله، والمحبرة، التي كانوا يعبّئونها بالحبر الأسود للكتابة، بينما كان أصحاب الرسم والزخارف يعبئونها بالألوان الأخرى، إلا أن الخطاطين المعاصرين صاروا يستخدمون جميع الألوان في لوحاتهم الخطية، ثم الورق المقهر، وهو ورق خضع لعملية تشذيب وتنقية لتحويله إلى ورق ناعم صالح للكتابة، بعد أن كان خشناً لا يساعد الخطاط على إنجاز ما يريد من الكتابة.
ومع تسارع تطور التقنية في القرن العشرين، ظهر الحاسب الآلي كأداة متطورة لتساعد الإنسان في العديد من المجالات، ومن بينها الخط العربي، الذي تم إدراجه في ما سُمي بالخطوط الطباعية، إلا أن الثورة الحقيقية في هذا المجال كانت بدخول الذكاء الاصطناعي على الخط، فهل يهدّد هذا الذكاء الإبداع البشري في فن الخط العربي؟
أصالة
يرى الخطاط خالد الجلاف رئيس جمعية الإمارات لفن الخط العربي، أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه الحلول مكان الإنسان، لأنه مجرد مجموعة من الأفكار البشرية التي وظفت لتقدم حلولاً عصرية، فقد يصلح لأن يكون مقلداً تقنياً وفق ما بُرمج عليه، ولكنه لا يستطيع تعويض العمل البشري في فن الخط، لأن التقنية لا أحاسيس لها، فقد يصلح لبعض المهام، مثل إظهار العمل البشري بأحجام مختلفة، أو تنفيذه بطرق متنوعة، أو تسريع عملية إنجازه، كما يمكن أن يكون مدرباً جيداً، يأخذ تقنيات الخط التقليدية ليشرحها ويعرّفها، أو أن يسهم في نشر الأعمال الفنية والترويج لها، أو أن يكون بديلاً للمتاحف، ولكنه سيظل مُفتقداً عملية الخلق الإبداعية التي يتميز بها الإنسان.
ويؤكد الجلاف أنه ضد استبدال العنصر البشري بالتقنية، لأنه غير مُجْدٍ، بدليل أن بعض الدول التي ابتكرت الذكاء الاصطناعي، أو الرائدة فيه مثل اليابان، لم تَسْتعِض بالذكاء الاصطناعي عن الطريقة اليدوية للخط، فلا تزال تمارس هذا الفن يدوياً، بالأدوات التقليدية، مثل الفرشاة والورق، لإبداع لوحات أصيلة ذات جذور قديمة، فخطّاطوهم مستمرون على نفس النهج في عصر الذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتطورة.
ويوضّح الجلاف أن الخط ليس مجرد وضع خطوط لإنجاز لوحة، حتى في النوع الكوفي المتميز بخصوصياته الهندسية التي تبدو سهلة، فكلها تُنفّذ بلمسات مُتقنة لا يستهان بها، حيث تُصمم وفق قواعد وأوزان دقيقة، فربما يستطيع الذكاء الاصطناعي مزجها لتقديم نوع جديد من الخط وفق ما بُرمج عليه منها، بتحديد الأبعاد والمساحات، ومن خلال ما شاهده أو ما خُزِّن فيه، وربما يقدم أشياء جديدة إذا استوعب القواعد والمفاهيم، خاصة في ما يسمى بالخطوط الحُرَّة المستحدثة، وقد تكون جميلة، ولكنها ستفتقد القواعد الثابتة، لتكون مثل اللوحات الحروفية التي تتخذ من الفن التشكيلي خلفية لها.
ويضيف الجلاف: «إن الخط هو جوهرة الفنون الإسلامية، ولذلك تجب المحافظة عليه ليظل بتلك الأصالة المميزة، وما تقوم به الآلة يجب تقنينه وإلا فإن ذلك سيولد خمولا لدى الإنسان في جميع مناحي حياته، بخاصة في المجالات الإبداعية، لتصبح الأعمال الفنية مجرد مسخ، ومن تجليات ذلك أن من يشاهد اللوحات التي استخدمت فيها الآلة يلاحظ افتقادها خاصية الأصالة، وهي الميزة التي تُثمّن الأعمال، فحتى في التحف، حين نقول إن هذه القطعة صُنعت باليد، فإنها تختلف في قيمتها عن تلك المنجزة بالآلة، فالأولى أصيلة والثانية تقليد».
أداة مكمّلة
وترى الخطاطة مريم البلوشي، أن الذكاء الاصطناعي هو أداة مكمّلة فقط، وليس أداة لمحو الوجود الإنساني، فالفنان هو صاحب القرار في أن يستخدم هذه الأداة أو التقنية لتطوير تقنياته ومهاراته، ولكن التكنولوجيا – بشكل عام – لا يمكن أن تقدم عملا يعكس مشاعر الإنسان، هذا الكائن البشري الذي خلقه الله بعواطف متغيرة، وكوّنه من عناصر مختلفة، ينقلها إلى اللوحة، فما يعيشه الإنسان من أحاسيس لا تعيشه الأشياء الجامدة، والذكاء الاصطناعي جامد، ومجرد عاكس لما نعطيه، ولكنه لا يستطيع الوصول إلى مستوى التشبع العاطفي الذي يعكس الفنان البشري في اللوحة.
وتؤكد مريم البلوشي أنها ليست ضد استخدام الذكاء الاصطناعي، ولكنها ترى ضرورة تطويعه – كغيره من الوسائل التكنولوجية – لخدمتنا، رغم أنها لم تستخدمه بعد، حيث إنها لا تزال ملتزمة بالمدرسة التقليدية، وتقول: «أنا مُصرّة على استخدام الآلات اليدوية، لأنني أعشق هذه العملية التي أعيش فيها مع مسوداتي في علاقة حب متولدة بيني وبينها».
وتشير مريم البلوشي إلى أن تنفيذ الذكاء الاصطناعي للخطوط يعتمد على البرامج التي توجد فيه، حيث يستخدم برامج وضعت منذ زمن، مبنية على قواعد بخطوط فنانين حقيقيين، ولكن كل ذلك لا يمكن أن يصل لمستوى التكوين الذي يبهر، فمن يشاهد ما ينتج عنه يدرك أنه جامد وليس مبتكراً، ولم يتعب فيه من أنجزه، خاصة إذا شاهده من يفهمون هذا الفن. فهو لا يستطيع التجديد إلا بمساعدة الإنسان، لأن التجديد ليس سهلاً، وإن كان لدينا مجددون في كل عصر، حيث تطورت أنواع الخطوط عبر الزمن، ولكن ذلك يتطلب عقولاً بشرية مبدعة، لا الآلة، لأنها مجرد أداة للمساعدة في العملية.
روح
أما الخطاطة نرجس نور الدين، فترى أن الذكاء الاصطناعي باستطاعته الحلول مكان الإنسان في تنفيذ فن الخط، ولكن حسب نوع الخط، وتضيف: «يقدر مع الخط اللاتيني، وبعض الخطوط الأخرى غير العربية، ولكنه يتطلب الكثير من الجهد، فبحسب ما تعطيه يعطيك، لأن عمل الذكاء الاصطناعي يعتمد على ما يضعه الإنسان في الآلة، حيث يضيف له البرامج والبيانات ليعطيه، وبعض الخطاطين بالكتابة العربية لم يدخلوا هذا المجال ليعطوا الذكاء فيعود إليهم بالمردود، ولذلك فلا يزال الدرب طويلاً في هذا المنحى».
ولتوضيح الطريقة التي يشتغل بها الخطاطون على الآلة تقول نرجس إن هناك فنانين يشتغلون ببعض برامج الآلة، حيث يصمم الخطاط الريشة كأداة، مثل القصبة، وهو من ينفذ بها عملية الكتابة على الجهاز، من دون أن يقتصر فيها على البرنامج، فبدل أن يكتب بالورقة والقصبة، لديه «الآيباد» ليكتب، وذلك هو الفرق الوحيد، ورغم ذلك فإن اللوحة الرقمية تفتقد الروح التي توجد في اللوحة المنفذة بالأدوات التقليدية.
وتضيف: «نحن نستخدم خَطّ التكنولوجيا للاستفادة منه في إنتاج أعمالنا، ولكنه لم يستطع بعد تغطية الحاجة الإبداعية، بل لا يزال مجرد مساعد، فاللوحة لا تقدم شيئاً ذا قيمة إلا إذا كان وراء تنفيذها عمل بشري، لأن الخط الحقيقي معقد جداً، بخاصة في تفاصيله، ولذلك لا يوجد تهديد لعمل الخطاط، بل على العكس من ذلك، الخطاط هو الذي يهدد الآلة مهما كانت طبيعتها، فإذا كانت هناك بعض الخطوط التي قد يسهل على الذكاء الاصطناعي تنفيذها، كالخط الكوفي التربيعي، فإن هناك خطوطاً صعبة جداً، ولا يمكنه تنفيذها بسهولة، مثل النستعليق، والديواني، حيث تتطلب الكثير من الاشتغال بمساعدة الإنسان.
وترى نرجس أن بإمكان الذكاء الاصطناعي تعليم الخط، ولكنه يحتاج في ذلك لبذل جهود جبارة، لأن الغرب بذل جهداً كبيراً من أجل إنجاح عمل الذكاء الاصطناعي، فكل عمل يحتاج إلى متخصصين ليقوموا به، وليس كل شخص مؤهلاً للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي ليعطيه بالطريقة الصحيحة، وهذا في كل المجالات، لذلك على الخطاطين الحقيقيين أن يبذلوا من وقتهم ما يقدمون فيه إضافات إلى الذكاء الاصطناعي، لكي لا يُستغل في إفساد جماليات هذا الفن.
وتتابع نرجس نور الدين: «أحياناً نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي، ولكنه يفسد علينا أعمالنا، فنتوقف ونقرر أن نشتغل عليها يدوياً، لأنه قد يغير شكل الكلمات، وصياغتها، حتى تصرخ المضامين مستجيرة لإخراجها من الذكاء الاصطناعي، فالمعطيات التي يقدم لنا تستوجب الرجوع لتصحيحها، وصياغتها بأساليبنا الخاصة».
تشويه
وفي رأيه حول الموضوع، يبدأ الخطاط زيد الأعظمي حديثه بالقطع قائلًا: «لا يمكن للذكاء الاصطناعي - إطلاقاً - أن يحل محل الإنسان في تنفيذ اللوحات الخطية، ولا لأي الوسائل المستخدمة في ما بات يسمى «الإنسانيات الرقمية»، والتي تُدخِل العلوم الإنسانية في التقانة والتكنولوجيا، فلا يمكن أن تكون هنالك أي مقارنة بينها وبين العمل البشري، وإنما يمكنها التقليد، أو التسريع، فالذكاء الاصطناعي قادر على أن يعين الخطاط على تسريع بعض عمليات التنفيذ، كترتيب حالة التكوين وضبطها، بدل حاجته لوقت أطول في التنفيذ اليدوي، ولكنه لا يستطيع الإتيان بالجديد، لأن الخط العربي وصل – بشهادة العديد من كبار فناني الغرب – إلى أعلى درجات الجمال بالنسب الذهبية، والتي لم يصل إليها أي من الفنون الأخرى، ولذلك، كل الفنون يأخذ بعضها من البعض الآخر، باستثناء فن الخط العربي الذي يتفق جميع المتخصصين على أنهم يقفون مندهشين أمام اعتماده على ذاته، لأن فيه أعلى معايير الجمال الفني، وهي الخصائص التي لا يدركها الذكاء الاصطناعي مئة بالمئة، خاصة الخصائص الدقيقة، مثل عملية المزج، أو الربط، التي يُربط فيها حرف مع حرف آخر، فذلك الربط لا يمكن تنفيذه إلا من طرف الخطاط المتقن الحاذق، وأحياناً يرسم الخطاط حتى يعدل الحرف، وهو كذلك ما لا يدركه الذكاء الاصطناعي، الذي ربما يصنع شيئاً فيراه المشاهد جيداً، ولكن المُتخصّص يرى فيه تشويهاً، وإذا لم تتم السيطرة عليه من طرف خطاط يصير تشويهاً لفن الخط العربي.
كما يرى الأعظمي أن للذكاء الاصطناعي إضافات محدودة، تتجلى في صنع خطوط جديدة مستوحاة من خطوط موجودة، أو حتى تقديم خط جديد، ولكنه لن يخلو من التشوهات في شكله، لعدم قدرته على ضبط درجات الجمال بالنسب الذهبية، فهو يعطينا الرقمنة والحرفنة الصناعية، ولكنه لا يصل إلى مستوى التمكن من الارتباطات التي تختلف من حرف إلى آخر، حتى في الكلمات، فإذا خفّ لدى الأجيال الجديدة مستوى الوعي بجماليات الخط العربي الحقيقية، واستسهلوا تلك التشوهات، فسيؤول هذا الفن إلى حالة لا نتمناها له، لأن خصائصه بلغت عبر مسيرتها الطويلة جماليات غير اعتيادية، فهي حصيلة ذكاء وعقول، وجهود وأيدٍ، أوصلته إلى هذا الحد من الإبداع، أما الذكاء الاصطناعي فلا يستطيع أن يأتي بتلك اللمسات الجمالية إلا بتعديل من الخطاط، فهو لا يعدو كونه يعطي خامات يمكن للخطاط أن يعدل عليها، ولذلك لا يمكنه أن يكون بديلاً للعمل البشري أبداً.
ويستطرد الأعظمي بالقول: «ربما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون بارعاً في الكتابة بالخطوط التي تشبه الأعمال الرياضية الهندسية، مثل بعض الكوفي، حيث تُوجّه إليه الأوامر بالكتابة، فيكتب في ثوان، ولكن الخطوط الأخرى فيها إيقاع، وحالة نفسية، وحالات فراغ وضبط غير اعتيادية، مثل الثلث الذي ينفذ بالرسم عن طريق الحروف، ولذلك يظل هذا الذكاء الاصطناعي مجرد عنصر مساعد، ولا يمكن الاعتماد عليه للإنتاج الإبداعي، إذ لا تتوفر فيه معايير الضبط البصرية التي تصل بالإحساس إلى حالة الجمال المبهرة، بل يعمل عكس ذلك غالباً، محوّلاً اللوحات الخطية إلى أعمال مشوّهة».
فكرة
بدورها، لا ترى الخطاطة فاطمة الظنحاني، أن بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يحل تماماً مكان الإنسان في مجال فن الخط العربي، فرغم التطور والإمكانات والوسائل المتعددة التي يتمتع بها في هذا المجال، إلّا أنه لم يستطع حتى الآن الوصول لمستوى الإنسان، ولن يستطيع في المستقبل، لأن هذا الفن – مثل بقية الفنون الأخرى – مرتبط بالشعور والإحساس، ويقوم على أساس فكرة ما، وهذا ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، من وجهة نظرها
وتقول فاطمة الظنحاني: «ربّما يرى البعض أن بإمكان هذا الذكاء أخذ مكان الإنسان في المجال، ولكنني أعتقد أنه قد يخدمه في تسريع عملية إخراج العمل الفنّي، أو تسهيلها، حيث ينحصر دوره في ضبط قياسات العمل مثلاً، أو إحكام التصميم بشكل دقيق، وما إلى ذلك من الأمور الفنيّة الهندسية».
تصاميم جديدة
ولمعرفة رأي الذكاء الاصطناعي في الموضوع، أجرينا دردشة مع Chatgpt، وسألناه في البداية عن إمكانية تنفيذ هذا الذكاء للوحات فن الخط العربي، فأجاب: «نعم، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتنفيذ وتصميم لوحات الخط العربي»، مردفاً أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكنها المساعدة في عدة أمور، منها إنشاء تصاميم جديدة: حيث تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي مثل الشبكات التنافسية التوليدية (GANs) لتوليد تصاميم جديدة للخط العربي، بناء على مجموعة من النماذج والخطوط الموجودة مسبقاً، ومنها تحسين وتحويل الخطوط: إذ يمكن استخدام تقنيات التعلم العميق لتحسين جودة الخطوط العربية الموجودة، أو لتحويلها إلى أنماط جديدة، كما أن منها تحليل الخطوط: حيث يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل الخطوط العربية لتحديد أنماط وأشكال معينة، ما يمكن أن يكون مفيداً في تصنيفها وتنظيمها.
ويستعرض Chatgpt التقنيات التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي في فن الخط العربي، وأولاها النماذج التوليدية: التي تتجلى في نوعين، هما: الشبكات التنافسية التوليدية (GANs): التي يمكن تدريبها على مجموعة كبيرة من نماذج الخط العربي لتوليد تصاميم جديدة بشكل إبداعي، والمُشفِّرات التلقائية المتغيرة (VAEs): التي يمكن استخدامها لإنشاء تصاميم جديدة من خلال التعلم من مجموعة بيانات مخزّنة، وثانية تلك التقنيات هي الشبكات العصبية التلافيفية (CNNs): التي يمكن تدريبها على تصنيف وتحليل الخطوط العربية، ما يساعد على تطوير خطوط جديدة أو تحسين خطوط موجودة، وثالثتها النماذج التوليدية الموجهة: مثل DALL-E من OpenAI: التي يمكنها إنشاء رسومات تتضمن النصوص العربية بناء على مواصفات معينة.
ويذكر Chatgpt الخطوات العملية التي يمكن من خلالها استخدم الذكاء الاصطناعي في تنفيذ لوحات الخط العربي، فيقول إن على من يريد ذلك أن يبدأ بجمع مجموعة بيانات تحتوي على عينات مختلفة من الخط العربي، إما من خلال استخدام البيانات المخزنة لديه سلفا، وإما من خلال جمع بيانات جديدة، ثم يستخدم تقنيات التعلم العميق مثل GANs أو CNNs لتدريب نموذج مُعيّن على بيانات الخطوط، الأمر الذي قد يتطلب تجهيز البيانات وتنسيقها بشكل مناسب، وبعد ذلك يمكنه استخدام النموذج لتوليد تصاميم جديدة للخط، الأمر الذي قد يحتاج أيضاً إلى ضبط النموذج، أو استخدام تقنيات إضافية لتحسين جودة المنتج الإبداعي، لينتهي بتقييم التصاميم التي ينتجها النموذج، والتأكد من جودتها، وملاءمتها للغرض، والتي تحتاج بدورها إلى تحسين النموذج أو تعديل البيانات للحصول على مُنتج إبداعي أفضل.
ويقدم Chatgpt أمثلة من أدوات الذكاء الاصطناعي وأطر عمله في فن الخط العربي، فيذكر: DeepArt.io، الذي يستخدم لتطبيق أنماط فنية على النصوص والصور، بما في ذلك الخط العربي، وRunway ML، الذي يوفّر أدوات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، واستخدامها في الإبداع الفني، وArtbreeder، الذي يسمح بإنشاء وتوليد أعمال فنية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويمكن تكييفه لتصميم الخطوط، ويؤكد Chatgpt أن استخدام هذه الأدوات والتقنيات، يُمكِّن الذكاء الاصطناعي من أن يكون أداة قوية ومفيدة في تصميم وتنفيذ لوحات الخط العربي.
اعتراف
ويقول Chatgpt إن باستطاعة الذكاء الاصطناعي تقديم مساهمات جيّدة في مجال فن الخط العربي، ولكنه يعترف بأنه لا يستطيع أن يحل محلّ الخطاط البشري نهائياً، بل يمكنه أن يكون أداة قوية لدعم الخطاطين وتعزيز عملهم، إلا أنه يظل محدوداً في بعض الجوانب مقارنة بالمهارات، الفنية والتعبيرية، التي يمتلكها الإنسان.
ويسرد Chatgpt قيود الذكاء الاصطناعي التي تمنعه من الوصول للمستوى البشري، فيقول إن الخطاطين البشريين يجلبون لمسة فنية وإبداعية فريدة، لا يمكن للذكاء الاصطناعي تقليدها تماماً، لأن الخط العربي فن يعبر عن مشاعر المبدع، وأفكاره، وهذا البُعد الإنساني يصعب تقليده، كما يتطلب هذا الفن تقنيات دقيقة، وفهماً عميقاً للأدوات والمواد، مثل الأقلام، والأحبار، وهي مهارات فنية يتقنها الخطاطون على مدار سنوات من التدريب، إضافة إلى قدرة الخطاطين على فهم السياق الثقافي والتاريخي للخط، وتقديره، ما يؤثر في أساليبهم وتصاميمهم، بشكل يتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي، كما يؤكد Chatgpt أن التفاعلات الشخصية والخبرات الفردية التي يتعلمها الخطاطون من خلال التدريب والاختبارات لا يمكن للذكاء الاصطناعي تقليدها بدقة.
ويخلص Chatgpt إلى أن اعتماد لوحات الخط العربي المنجزة بالذكاء الاصطناعي، مقارنة بتلك المنجزة يدوياً، يتطلب الأخذ بعدة عوامل في الاعتبار، لأن كل واحد من الأسلوبين له مزايا وقيود، ما يجعل التفضيل بينهما معتمداً على الغرض الذي يُرغب في تحقيقه من اللوحة، فإذا كان الغرض تجارياً، أو تسويقياً، فإن اللوحات المنجزة بالذكاء الاصطناعي قد تكون مناسبة تماماً، لأن الأولوية حينها ستكون للسرعة والكفاءة في تحقيق الهدف المطلوب، ما ينطبق على غرض التصاميم التجريبية، الذي يتطلب إنتاج أنماط جديدة واستكشاف إمكانات تصميمية غير تقليدية، أما إذا كان الغرض فنياً، أو ثقافيا، فإن اللوحات المنجزة باليد البشرية هي الأفضل، لأن هذا الغرض يتطلب إدراكاً عميقاً للثقافة، والتاريخ، والتفاصيل الفردية، حيث يجب أن يعكس العمق الفني والتعبيري، ولأن اللمسة البشرية تظل عنصراً مميزاً لا يمكن تعويضه في هذا المجال، فالقيمة الحقيقية لفن الخط العربي تكمن في الإبداعات التي يُنجزها الإنسان، والتجربة الشخصية التي يجلبها الفنان إلى عمله.
انتشار وتخصّص
لم يكن العرب قبل الإسلام مهتمين بجودة الخط، وعندما أصبح مركز حضارتهم بين مكة والمدينة، ظهر الاهتمام به، وبدأ ينتشر باسميه: المكي والمدني، ولكنه لم ينل القدر الكافي من الاهتمام كتخصص إبداعي إلا في العصرين، الأموي والعباسي، فاتجه المبدعون إليه يحسنونه، ويجوّدونه، ويبتكرون فيه أنواعاً جديدة، وظهرت الكتابات على الأواني والتحف، واعتُني بكتابة المصاحف، وزخرفتها.
ومن أشهر أنواع الخطوط التي وضعها المبدعون، الخط الكوفي، وهو أقدم الخطوط، وخط النسخ الذي استخدم في خط المصاحف، وخط الثلث، المُسمّى نسبة إلى سُمك القلم، وخط الرقعة، وهو أكثر الخطوط العربية تداولاً واستعمالاً، وخط الديواني نسبة إلى دواوين السلاطين، والخط الفارسي نسبة إلى فارس، وقد تداخلت هذه الخطوط مع بعضها بعضاً، واشتق بعضها من الآخر، وتعددت رسوم الخط الواحد، فكانت لكثرتها تشكل فناً مستقلاً، كالخط الكوفي مثلاً. ومن أشهر الخطاطين القدماء الذين كان لهم دور بارز في التأسيس لهذا الفن والإبداع فيه: ابن مقلة المتوفى سنة 328 ه، والذي وصلت أنواع الخط في عصره إلى عشرين نوعاً، واختصرها إلى ستة رئيسية، وابن البواب المتوفى سنة 423 ه، والذي أقام الخط على قواعده الجمالية، ثم ياقوت المستعصمي المتوفى سنة 698 ه، الذي يقال إنه فاق سابقيه حتى لقّب بقبلة الكتّاب، والشيخ حمد الله الأماسي المتوفى سنة 963 ه، والذي كان أول من نقل الخط من العرب إلى الأتراك، فتخرجت على يده أجيال من الخطاطين الذين أبدعوا في المجال أساليب جمالية، لا يزال المعاصرون يسيرون على منوالها، مُشكّلة مع الأساليب المتطورة في البلدان العربية، وغيرها، عالماً من الإبهار الخطي المتجدّد.
وفي 14 ديسمبر 2021، أدرجت منظمة «اليونيسكو» فن الخط العربي على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، بعد أن نال اهتماماً كبيراً في مختلف أصقاع المعمورة، وعبّر الكثير من مبدعي العالم عن إعجابهم به، مثل الفنان الشهير بابلو بيكاسو، الذي قال عنه: «لو علمت أن هناك فناً يُدعى الخط العربي لما بدأت الرسم قط، كنت أريد أن أبلغ أسمى درجات الفن، ولكنني وجدت أن الخط سبقني بعصور».