في كتابه «الاختلاف والتكرار» يصف الفيلسوف الفرنسي «جيل دولوز» غايات الاتصال ويقول: «التواصل ليس فقط نقل معلومات أو مفاهيم، بل هو أيضاً وسيلة لإعادة تشكيل الهوية من خلال التفاعل مع الآخر، ويتطلب التواصل إبداعاً ويؤدي إلى تكوين معانٍ جديدة من خلال التجربة المستمرة».
تتفق نظريات الاتصال في العصر الحديث مع تحليل «دولوز» فالاتصال في زمن الانتشار الواسع لأدواته وتقنياته، وما تحقق من سهولة في ممارسته، لم يعد الهدف منه أن يراك الناس أو أن يسمعوا بك، بل أن يعرفوك جيداً. والفرق بين الحالتين واسع جداً، ويتطلب اجتيازه أن يتقن ممارسو الاتصال، ليس القدرة على الوصول والتأثير في الآخر من جانب واحد، بل أن يمتلكوا مهارات التفاعل مع الجمهور.
وهذا تماماً ما ينطلق منه المنتدى الدولي للاتصال الحكومي، إذ يسعى منذ انطلاقه إلى اليوم حيث تقام دورته الـ13 يومي 4-5 سبتمبر المقبل، إلى ترسيخ وتطوير مهارات التفاعل والتواصل بين ممارسي الاتصال والجمهور، بالاستفادة من التجارب الرائدة والخبراء المتخصصين في هذا المجال، ليظل الاتصال أحد محركات التنمية وركائز تحقيق نتائجها على أرض الواقع.
ومع ظهور أدوات الاتصال الحديثة في المجتمعات، أصبح مشهد الاتصال العام يتحدد بقدرة الأدوات والتقنيات في التأثير من طرف واحد في التفكير وممارسات الأفراد والمؤسسات، وعلى الرغم من أن العلوم الاجتماعية اتفقت على أن بناء الهوية هي عملية تفاعل متشابكة الأطراف، وأن فهم أعماق هذه الهوية لا يتحقق إلا بالتفاعل مع الآخر، حيث تختبر الهوية قيمها وأسسها وتحدد ما هو إيجابي وسلبي فيها، وهو ما يفسر عجز الكثير من الهويات عن الوصول المؤثر للجمهور.
ومن الدلالات الأخرى التي تشير إلى الابتعاد عن الاتصال التفاعلي، هي أن الأنماط السائدة لقياس فاعلية الاتصال اليوم، هي حجم الجمهور الذي وصلت إليه الرسالة، وعدد مشاركات أو قراءات أو مشاهدات المحتوى، ولا نريد أن نخدع أنفسنا ونقول إن عدد المشاهدات والمشاركات الكبير يعني أن الاتصال كان ناجحاً، وأن التفاعل حقق أثراً مستداماً ولم يكن لحظياً عابراً، وأن تفاعل الجمهور ساهم إلى حد كبير في صياغة مفاهيم جديدة مشتركة، بل قد يكون هذا الوصول مجرد موجة عابرة من موجات الاتصال التي تملأ الفضاء الإلكتروني.
لتحقيق المزيد من التفاعل ليس تغيير أدوات الاتصال، ولا توجيه النقد السلبي المجرد للتقدم التكنولوجي، بل من خلال الفهم الأعمق لغايات الاتصال، إلى جانب تبني ثقافة اتصال مسؤولة ومراعية، يتم خلالها تبادل الحجج والأسباب بين طرفي الاتصال بهدف الوصول إلى توافق أو تفاهم مشترك حول قضية معينة.
نحن ندرك أن الوصول إلى هذه الحالة يتم بالتراكم التدريجي وليس بقفزة واحدة، ويحتاج دوماً إلى تحديد معايير الاتصال الناجح وتطويرها وتحديثها بناءً على التفاعل مع المستجدات على غرار ما يقوم به المنتدى الدولي للاتصال الحكومي، حيث يطوّر عاماً بعد عام المعارف والأدوات للارتقاء بممارسات الاتصال الناجح، ومن أبرزها الابتكار في تبني المنهجيات وقياس الأثر الاجتماعي الملموس وليس العابر، ما يشكل دعوة لفرق وإدارات الاتصال وجميع العاملين في هذا الحقل إلى مراكمة الإنجازات التي ستجعلنا نقول في يوم من الأيام: لقد انتقلنا بالاتصال إلى حيث يجب أن يكون، إلى حيث يعرفنا الناس ولا يرونا فقط.