لم تشهد البشرية في تاريخها هذا الكم من الصور، كما تشهده اليوم، ولم تكن أدوات إنتاج الصورة متاحة بهذا الاتساع. ومع ذلك، فإن الأثر الذي تتركه الصورة في الوعي العام يبدو أضعف مما كان عليه، ليس لأن الصورة فقدت قدرتها على التعبير، وإنما لأن سياق إنتاجها وعرضها تغيّر، وتغيّرت معه معايير التقييم، وحدود التمييز، وطريقة تلقّي الرسالة وفهم المعنى.
في هذا الواقع، يسهل إلقاء اللوم على الذكاء الاصطناعي وتحميله مسؤولية التغير الحاصل، وكأن المشكلة بدأت مع ظهوره، لكن المهرجان الدولي للتصوير «إكسبوجر» 2026 يتناول التحولات التي شهدها السرد البصري على مدار العقد الماضي، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ السرد، ولم يُفرغ الصورة من مضمونها، ولم يمنعها من التأثير. ما زلنا نشاهد صوراً وأفلاماً وأعمالاً بصرية مولّدة بالكامل عبر الخوارزميات، لكنها قادرة على مخاطبة الوعي وإثارة الأسئلة والتأثير في المشاهد، لأن من يقف خلفها إنساناً يمتلك الفكرة، والوعي، والخبرة، والمعرفة اللازمة.
من خلال الفعاليات والورش والمعارض التي يقدمها، يؤكد المهرجان أن الفرق لا تصنعه الخوارزمية بحد ذاتها، بل من يتصورها ذهنياً قبل كتابتها تقنياً، فالصورة التي تحمل دلالة ورسالة، هي نتاج بحث وقراءة وخبرات وتجارب ومعارف تراكمية لترجمة السؤال الإنساني إلى صورة. أما الصورة التي تُنتج بأوامر عشوائية، دون معرفة أو قصد أو فهم للسياق، فتبقى عابرة مهما كانت متقنة شكلياً، لأنها لا تستند إلى الوعي والتجربة.
يوضح «إكسبوجر» 2026 أن المشكلة الحقيقية ليست في الأدوات الجديدة، بل في تراجع قيمة الجهد المعرفي الذي يسبق إنتاج الصورة. في الماضي، كانت الصورة نتيجة رحلة طويلة من المحاولة، والخطأ، والتعلّم. أما اليوم، فقد صار بالإمكان تجاوز هذه الرحلة والانتقال مباشرة إلى النتيجة بعشوائية وبلا أي جهد يذكر، وحين يُختصر الطريق إلى هذا الحد، يضيع المعنى.
في ظل كثافة الإنتاج البصري وتسارعه، يختل التوازن بين الأعمال التي كُتبت بتراكم طويل من المعرفة، والمحتوى العشوائي الذي لا يتطلب من المتلقي سوى لحظة انتباه عابر. وهذه هي الخسارة الحقيقية، خسارة المبدع، والمتلقي، والوعي العام، لأن الصورة الإبداعية المؤثرة تضيع وسط سيل لا يفرّق بين الجوهري والعابر.
هذا الواقع يغيّر فكرة القيمة ذاتها؛ فالقيمة لم تعد في القدرة على إنتاج صورة، وإنما في القدرة على التمييز بين العمل المؤثر والاستعراضي. ولا يمكن اكتساب هذه القدرة من خلال الأدوات، أو اختصارها في مهارات تقنية، لأنها تحتاج مسيرة طويلة من البحث، والمشاهدة، والمقارنة، والاحتكاك بالصورة بوصفها خطاباً إنسانياً.
هنا تبرز قاعدة السنوات العشر، التي أشار إليها عالم النفس جون هايز، كتوصيف لتكوّن الوعي وتراكم الخبرة. هذه القاعدة تشير إلى أن التحول الحقيقي لا يحدث قبل أن تمر التجربة بمراحل كافية من الاختبار والمراجعة، إلى أن يصل المبدع إلى مرحلة يصبح فيها قادراً على الاختيار، حيث يمتلك القدرة على معرفة الصورة التي تستحق أن تُقدّم، والفكرة الجديرة بتحويلها إلى سرد بصري.
في السرد البصري تحديداً، يتجلى هذا الفرق بوضوح، فهناك صورة توثق مشهداً، وصورة تروي قصة. الأولى تتسم بطابع توثيقي، أما الثانية فتبني معنى، وتحفظ ذاكرة، وتطرح سؤالاً، أو تقدم سرداً وتطلب من المتلقي أن يصغي. هذا الفارق لا تصنعه الكاميرا، ولا الذكاء الاصطناعي، بل وعي المصور الذي يقف خلف العدسة، والخبرة في الاختيار والتفضيل والتوقيت.
من هذا المنظور، يشكّل وصول المهرجان الدولي للتصوير «إكسبوجر» إلى نسخته العاشرة ثمرة مسار طويل من البناء والخبرة واستضافة آلاف الخبرات العالمية منذ تأسيسه، إذ أصبح المهرجان الأبرز والأكبر من نوعه على صعيد المنطقة، ومساحة إبداعية للاحتفاء بالسرد البصري والاختيار الواعي. شعار نسخة العام الجاري «عقد من السرد القصصي البصري» يضع ما تراكم من إنجازات على مدى السنوات العشر الماضية في سياق استكمال المسيرة خلال العقد المقبل.
طارق سعيد علاي*
في عالم لا يتوقف عن التغير، لم يعد كافياً أن نمتلك أقوى أدوات الاتصال والإعلام، ولا أن تصل الرسالة إلى أكبر عدد من الناس. فالتحدي اليوم يكمنُ في كيف تُقال الرسالة؟ ولماذا؟ وما الأثر الذي تتركه في وعي الجمهور؟
من هذا الإدراك، تواصل جائزة الشارقة للاتصال الحكومي في نسختها الثانية عشرة أداء دورها بوصفها أكثر من مجرد منصة تكريم. إنها مساحة للتفكير والتأثير، ورسالة تتخطى الحدود والثقافات، لتصنع بصمة عالمية في مستقبل الاتصال الحكومي.
عندما نتأمل واقع الاتصال الحكومي اليوم، ونتمعن في الوقت ذاته في عبارة «إنك لا تضع قدمك في النهر مرتين» للفيلسوف اليوناني هرقليطس، الذي اشتهر برؤيته للعالم باعتباره حركة دائمة لا تعرف السكون، ندرك تماماً أن المياه تتغير، كما يتغير السياق والجمهور ووسائل التعبير، وحتى اللغة، التي نعدّها من المسلّمات، تحتاج أحياناً إلى أن تُوقظ من سباتها لتعود نابضة بالحياة.
انطلاقاً من الإيمان بهذا الفكر، تؤكد جائزة الشارقة للاتصال الحكومي، في نسخة هذا العام، رسالتها للمؤسسات والأفراد والمنظمات، وتقول لهم إن كنتم تمارسون الاتصال كما كان يُمارس بالأمس، فأنتم تسبحون في نهر لم يعد موجوداً، كما أن الجمهور لم يعد مثل السابق، فجائزة الشارقة للاتصال الحكومي تحثُ على سرعة الاستجابة لاحتياجات العصر في الاتصال الحكومي والإعلام باعتبارهما شريكين محوريين في فهم التطورات المتسارعة بوعي عام، وبلغة يفهمها الناس.
إن نجاح الاتصال الحكومي لا يُقاس بعدد التصريحات، وإنما بقدرة المؤسسة على بناء علاقة ثقة طويلة الأمد مع الجمهور خاصة في ظل تعدد المنصات وتضارب الروايات، فقد أصبح الجمهور أكثر حذراً وأقل يقيناً بالمعلومة، وأكثر تطلباً لها. وهذا ما جعل الجائزة تسعى عاماً تلو الآخر إلى تكريم المبادرات التي تفهم هذا التحول، وتُعيد تصميم أدواتها لتصبح أكثر شفافية وتشاركية ومرونة.
لم يعد التواصل من طرف واحد. وأصبح الجمهور يمتلك إرادة أقوى للمشاركة في الحوار العام، لا أن يُملى عليه فقط. ومن هنا، رأت الجائزة أن تُكافئ كل من يجيد «الإبلاغ» ويُحسن «الإصغاء» في الوقت نفسه وبتوازن يخدم أهداف الاتصال.
في عالمنا اليوم، لا يمكن الحديث عن أزمة بيئية دون أن نشير إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وصحية. هذا التشابك لا يترك خياراً أمام الاتصال الحكومي سوى أن يكون واعياً وشاملاً وقادراً على الربط. لذلك تدعو الجائزة عبر فئاتها إلى فتح شراكات حقيقية مع علوم الاقتصاد، والاجتماع، والسلوك، والبيئة.
كما أن الجمهور لا يمثل وحدة واحدة، بل هو فسيفساء من التوقعات واللغات والخلفيات. وهنا تأتي الجائزة لتحتفي بالذكاء الاتصالي الذي يصمم رسائل تصل بدقة وتؤثر بلغة بسيطة لا سطحية.
في نهاية المطاف، تُقاس فاعلية الاتصال بمقدار التحول الذي يُحدثه في حياة الناس وليس بعدد الحملات. وقد جاءت جائزة الشارقة لتكرم من نجح وسعى إلى أن ينقل النجاح إلى غيره، لتصبح تذكيراً سنوياً بأن الاتصال مسؤولية، وأن كل رسالة إما أن تبني جسراً وإما أن تترك فراغاً.
في هذا العالم الذي يعجّ بالضجيج، تتخطى جائزة الشارقة للاتصال الحكومي حدود الكلمة إلى عمق الأثر. هي دعوة لكل مسؤول وفرد يرى في الاتصال التزاماً، ولكل مؤسسة تدرك أن بناء الثقة لا يتحقق بلغة رسمية فقط، بل بحضور إنساني حقيقي. فما بين الفكرة والتأثير، هناك دائماً ثمرة جهود تنتظر التقدير والتكريم.
* مدير عام المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة
في كتابه «الاختلاف والتكرار» يصف الفيلسوف الفرنسي «جيل دولوز» غايات الاتصال ويقول: «التواصل ليس فقط نقل معلومات أو مفاهيم، بل هو أيضاً وسيلة لإعادة تشكيل الهوية من خلال التفاعل مع الآخر، ويتطلب التواصل إبداعاً ويؤدي إلى تكوين معانٍ جديدة من خلال التجربة المستمرة».
تتفق نظريات الاتصال في العصر الحديث مع تحليل «دولوز» فالاتصال في زمن الانتشار الواسع لأدواته وتقنياته، وما تحقق من سهولة في ممارسته، لم يعد الهدف منه أن يراك الناس أو أن يسمعوا بك، بل أن يعرفوك جيداً. والفرق بين الحالتين واسع جداً، ويتطلب اجتيازه أن يتقن ممارسو الاتصال، ليس القدرة على الوصول والتأثير في الآخر من جانب واحد، بل أن يمتلكوا مهارات التفاعل مع الجمهور.
وهذا تماماً ما ينطلق منه المنتدى الدولي للاتصال الحكومي، إذ يسعى منذ انطلاقه إلى اليوم حيث تقام دورته الـ13 يومي 4-5 سبتمبر المقبل، إلى ترسيخ وتطوير مهارات التفاعل والتواصل بين ممارسي الاتصال والجمهور، بالاستفادة من التجارب الرائدة والخبراء المتخصصين في هذا المجال، ليظل الاتصال أحد محركات التنمية وركائز تحقيق نتائجها على أرض الواقع.
ومع ظهور أدوات الاتصال الحديثة في المجتمعات، أصبح مشهد الاتصال العام يتحدد بقدرة الأدوات والتقنيات في التأثير من طرف واحد في التفكير وممارسات الأفراد والمؤسسات، وعلى الرغم من أن العلوم الاجتماعية اتفقت على أن بناء الهوية هي عملية تفاعل متشابكة الأطراف، وأن فهم أعماق هذه الهوية لا يتحقق إلا بالتفاعل مع الآخر، حيث تختبر الهوية قيمها وأسسها وتحدد ما هو إيجابي وسلبي فيها، وهو ما يفسر عجز الكثير من الهويات عن الوصول المؤثر للجمهور.
ومن الدلالات الأخرى التي تشير إلى الابتعاد عن الاتصال التفاعلي، هي أن الأنماط السائدة لقياس فاعلية الاتصال اليوم، هي حجم الجمهور الذي وصلت إليه الرسالة، وعدد مشاركات أو قراءات أو مشاهدات المحتوى، ولا نريد أن نخدع أنفسنا ونقول إن عدد المشاهدات والمشاركات الكبير يعني أن الاتصال كان ناجحاً، وأن التفاعل حقق أثراً مستداماً ولم يكن لحظياً عابراً، وأن تفاعل الجمهور ساهم إلى حد كبير في صياغة مفاهيم جديدة مشتركة، بل قد يكون هذا الوصول مجرد موجة عابرة من موجات الاتصال التي تملأ الفضاء الإلكتروني.
لتحقيق المزيد من التفاعل ليس تغيير أدوات الاتصال، ولا توجيه النقد السلبي المجرد للتقدم التكنولوجي، بل من خلال الفهم الأعمق لغايات الاتصال، إلى جانب تبني ثقافة اتصال مسؤولة ومراعية، يتم خلالها تبادل الحجج والأسباب بين طرفي الاتصال بهدف الوصول إلى توافق أو تفاهم مشترك حول قضية معينة.
نحن ندرك أن الوصول إلى هذه الحالة يتم بالتراكم التدريجي وليس بقفزة واحدة، ويحتاج دوماً إلى تحديد معايير الاتصال الناجح وتطويرها وتحديثها بناءً على التفاعل مع المستجدات على غرار ما يقوم به المنتدى الدولي للاتصال الحكومي، حيث يطوّر عاماً بعد عام المعارف والأدوات للارتقاء بممارسات الاتصال الناجح، ومن أبرزها الابتكار في تبني المنهجيات وقياس الأثر الاجتماعي الملموس وليس العابر، ما يشكل دعوة لفرق وإدارات الاتصال وجميع العاملين في هذا الحقل إلى مراكمة الإنجازات التي ستجعلنا نقول في يوم من الأيام: لقد انتقلنا بالاتصال إلى حيث يجب أن يكون، إلى حيث يعرفنا الناس ولا يرونا فقط.
11 عاماً مضت على إنشاء المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة ليكون دوره منبثقاً من رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، الهادفة إلى جعل إمارة الشارقة منارة للإبداع والثقافة والعلم، يقصدها القاصي والداني من كافة بقاع الأرض.
وتبنّت الشارقة منهج بناء الإنسان والتنمية المستدامة وجعلته من أولوياتها واهتماماتها، مؤكدة أهمية الاستثمار في الإنسان؛ كونه الثروة الحقيقية والخطوة الأولى في سبيل تحقيق رفعة المجتمعات وغاياتها وأهدافها.
وانطلاقاً من رؤية سموه، حرص المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة على ممارسة دوره في الارتقاء بالعمل الإعلامي، ومواكبة متطلبات العصر عبر تخصيص موقع «الشارقة 24» الإلكتروني، ونادي الشارقة للصحافة، فضلاً عن العمل على زرع قيم العمل والإدارة وتدريب وتطوير الكفاءات الإعلامية، من خلال توفير بيئة تتيح للموظف فرصة تعلم الجديد، ومشاركة خبراته المعرفية والمهنية، ما يسهم في تعزيز قدرات الموظفين.
ومنذ تأسيسه وحتى يومنا هذا، عمل المكتب دون كلل أو ملل، على دعم توجهات صاحب السمو، حاكم الشارقة، من خلال مختلف مبادراته وفعالياته الهادفة إلى ترسيخ المكانة الإعلامية للشارقة، وتعزيز وجودها في مختلف المحافل الإقليمية والعالمية.
وإيماناً بأن التواصل الفعّال والبنّاء جزء أساسي من بناء المجتمعات والتطور الحضاري، فقد قدّم المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة على مدار 11 عاماً، رؤية اتصالية إعلامية مميزة تستند إلى آخر ما توصلت إليه الدراسات والأبحاث ضمن فعاليات المنتدى الدولي للاتصال الحكومي، الذي ينظمه المركز الدولي للاتصال الحكومي، حيث يمثّل منصة فريدة من نوعها على مستوى العالم.
ولم يغفل المكتب عن أهمية الصورة في تعزيز الرسالة الإعلامية، باعتبارها تغني عن ألف كلمة، ولكن إدراكاً منا بأننا في عصر يشكّل فيه المحتوى البصري جزءاً مهماً وأكثر تأثيراً في ترسيخ القناعات حول قضية ما، فقد أطلق المكتب المهرجان الدولي للتصوير (إكسبوجر)، ليكون ملتقى الفكر والفنون البصرية بين كبار المصورين العالميين.
ونتيجة هذه الجهود، أصبح اسم الشارقة يتردد في أكبر المحافل والفعاليات الدولية الثقافية والفنية والفكرية والإنسانية، حيث أصبحت سباقة إلى تبنّي المشاريع والأفكار الجديدة التي تسهم في تطوير الإنسان، كما أصبحت الإمارة حاضنة للمبدعين والمبتكرين في كافة المجالات.
واستكمالاً لدورها في دعم الثقافة والفن والتراث، أسست الشارقة مسرح المجاز، ومدرج خورفكان، ليكونا مركزين لاستقطاب الفنانين والموسيقيين المبدعين، بما يتماشى مع رؤية صاحب السمو، حاكم الشارقة. وحظي المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة بشرف إدارة هذين الصرحين الثقافيين اللذين أصبحا سريعاً، رمزين للفن والتواصل الثقافي في الإمارة.
واستضاف مسرح المجاز ومدرج خورفكان منذ افتتاحهما، قائمة واسعة من أعمدة الفن الخليجي والعربي والعالمي، وأعادا طرح التراث الموسيقي العربي على أجندة فعالياتهما من خلال مختلف أنواع الفنون الموسيقية والثقافية.
ويسعدني القول إن المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة، برئاسة سمو الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي، نائب حاكم الشارقة، رئيس مجلس الشارقة للإعلام، صنع بيئة تحفيزية للعمل والإنجاز، وهذا يأتي ضمن دور المكتب في تدريب وتأهيل الكوادر للعمل بمهنية في سوق العمل، بما يتماشى مع أجندة الشارقة الهادفة إلى بناء الإنسان والاستثمار فيه.
مدير عام المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة
منذ عشر سنوات، انطلقت مسيرة الاتصال الحكومي من الشارقة، مسيرة بدأت بفكرة طموحة وإيمان عميق، بأهمية ترسيخ روابط العلاقة بين الجمهور والمؤسسات الحكومية في الدولة، وأن يصبح الاتصال الحكومي منهجاً علمياً تراكمياً ومتطوراً في المنطقة بشكل عام.
وعلى مدى السنوات العشر الماضية، نجحنا في تحقيق الكثير من الأهداف المرحلية التي وضعناها، سعياً وراء هدفنا الاستراتيجي. وانتشر مفهوم الاتصال الحكومي، وباتت المؤسسات تتنافس في ما بينها في أفضل أداء في الاتصال، كما نرى كل عام في الملفات المقدمة ل«جائزة الشارقة للاتصال الحكومي»، وحتى نحوّل هذه المنجزات الى قاعدة نبني عليها المرحلة القادمة والمستوى الجديد من الاتصال الحكومي، تعوّدنا بين وقت وآخر أن نشارككم وقفتنا التقييمية لما تحقق، لنضع أيدينا على عناصر القوة، ونتعرف إلى الثغرات ونعمل على تجاوزها.
لقد حددنا منذ البداية هدفاً استراتيجياً، يتمثل في دعم المساعي نحو الوصول إلى منظومة متكاملة من الاتصال الحكومي، تجمع المؤسسات الرسمية والخاصة في إطار ثقافي واحد، يتجسّد في التوافق على الرؤية حول القضايا والمصالح العامة، سواء كانت ثقافية أو اقتصادية تنموية أو اجتماعية أو وطنية، بحيث تكون الرسائل الموجهة إلى الجمهور المحلي والإقليمي والعالمي موحدةً في إطارها العام، وليست متباعدةً أو متناقضةً ومتضاربةً، إلى جانب تأكيد أهمية الاستثمار في جميع عناصر القوة المؤثرة، مثل التراث والثقافة والفنون والقيم الاجتماعية والأخلاق الإنسانية التي يتحلى بها مجتمعنا، وهذا يتطلب إشراك الجمهور في مهمة الاتصال، لتكون منظومتنا متكاملة ومتناغمة.
صحيح أن دعم بناء منظومة اتصال حكومي متكاملة، كان هدفنا الاستراتيجي منذ البداية، لكن هذا الهدف وسيلة بحد ذاته، تدعم في المقابل الأهداف الاستراتيجية للمجتمع الإماراتي، وبوجود منظومة اتصال متطورة، تترسّخ أكثر الصورة الإيجابية للدولة التي نجحت قيادتنا ومؤسساتنا في بنائها عالمياً، وتتعزز تنافسية الدولة في الاستثمار والعيش والعمل وبناء الشراكات الطويلة الأجل، أما عالمياً، فأردنا عبر المنتدى، أن نسهم في الإضاءة على القضايا الملحّة، كالتنمية والاستدامة والارتقاء بجودة حياة المجتمعات ومواجهة التحديات التي تعترض سبيلها، وأن نعمل مع شركائنا على بناء آليات اتصال تخدم هذه الطموحات وتدعم تحقيقها.
والآن، بعد عشر سنوات، ما الذي تحقق من قائمة أهدافنا وطموحاتنا؟ وأين نحن من هدفنا الاستراتيجي؟ هل نجحنا في أن تكون الشارقة حاضنةً لأهم فعالية تتناول كل عام كيفية ترسيخ الروابط بين المجتمع ومؤسساته وتعزيز التعاون بينهما لبناء غد أفضل؟ هل نجحنا في وضع الاتصال الحكومي على رأس أولويات المؤسسات في القطاعين العام والخاص؟ وهل نجحنا في توضيح الملامح الأساسية لعلم الاتصال، وبناء مسار تطوره الدائم والمستمر؟ والسؤال الأهم هل نجحنا في إيصال رسالتنا إلى الجمهور؟.
بعد هذه التجربة، نحن طبعاً نمتلك مفاتيح الإجابات عن هذه الأسئلة، فهناك أشياء ملموسة تحققت، مع العلم أن عملية الاتصال وعلوم الاتصال هي في مسار تصاعدي لا نهاية له، كلما تعلمنا أكثر أدركنا أننا بحاجة إلى معرفة المزيد، وحققنا منجزاً ما، نراه محطة نستكمل بها مسارنا غير النهائي في فهم علوم العلاقات بين البشر وممارستها، لكن يبقى من الضرورة أن نحاكم مسيرتنا أمام العنصر الأهم في معادلة الاتصال، ألا وهو الجمهور؛ فماذا يقول الجمهور عن مسيرة الاتصال الحكومي؟ في القريب العاجل سنعرف الجواب، وعلى أساس رأي جمهورنا الذي ننتظره بشغف سيكون لنا الكثير من البرامج والمبادرات التي تستجيب له.
المدير العام للمكتب الإعلامي لحكومة الشارقة
نصف قرن مضى على تولي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، مقاليد الحكم في إمارة الشارقة، وهي تنعم كل يوم بمشروع جديد، في مختلف المجالات التنموية والتعليمية والمعرفية والثقافية والرياضية والمجتمعية؛ مشروعات تمثل خلاصة الفكر الثاقب والرؤى السديدة والقيادة الرشيدة لسموه، ومنهاج العمل الذي أنجز ما وعد، وصدق ما عمل.
نحتفي اليوم بمرور خمسين عاماً كاملة، خمسون عاماً الخير فيها لا يتوقف، والارتقاء بالمجتمع هو الهدف، وسموه يقف على كل صغيرة وكبيرة ضماناً لتكامل المشروعات الحضارية، وتأميناً لحاضر يحمل الحياة الكريمة، ويسعى لاستشراف المستقبل، حتى تبوأت الشارقة قمماً عالية، فكانت عاصمة عربية للثقافة، وعالمية للكتاب، وصديقة للطفل وكبار السن، وداعمة للشباب والناشئة والكبار والصغار.
وها هي الشارقة اليوم نموذج غير مسبوق، ومثال يحتذى في الاعتناء بالإنسان، وبناء القدرات وتحفيز العلم والمعرفة، والاهتمام بالأسرة، وكل ذلك عبر رعاية كريمة من صاحب السمو، حاكم الشارقة، القائد والعالم والمؤرخ والمفكر والمسرحي والمربي، والمؤلف والمثقف، وهي صفات نادرة قلّ أن يجود بها التاريخ، انعكست خيراً وسعادة وتقدماً على الإمارة الباسمة، لتكون على أعلى المقاييس والمؤشرات العالمية، ولتحتفل بها الأوساط الدولية احتفالات مستحقة.
شكّل يوم تولي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكماً للشارقة، علامة فارقة في تاريخ الإمارة التي تهيأت منذ ذلك اليوم، لتحقيق التنمية المستدامة، وفق استراتيجية متكاملة، عنيت بالإنسان أولاً وآمنت بقدراته. تنمية قادها سموه بحكمة العارفين، وصبر العالمين، وتواضع القادة العظماء، فقامت المشروعات التي راعت الأصالة والتراث والخصوصية لإنسان المنطقة، وسارت على درب العلم، وأُنشئت الجامعات والمدارس والمكتبات، والمجالس، ومؤسسات دعم الأسرة بكاملها.
وكانت هناك الطرق الحديثة والبنية التحتية للمشاريع الطموحة التي تستظل بالاهتمام والرعاية الكريمة من سموه، والتواصل العميق مع أبنائه وبناته، عبر كافة الوسائل المسموعة والمقروءة والمشاهدة، ليكون أبناء الإمارة خير داعم لطريق التطور والنهضة، وأبرّ من يحمل الأمانة، حيث نرى اليوم ممن تربوا على يدي سموه، قادة ناجحين يشكلون دفعة إضافية لنمو الإمارة، وضماناً لمستقبل واعد، كما أراده صاحب السمو حاكم الشارقة قبل 50 عاماً.
«أنا بقدر ما أعمل لخدمة الإنسان، مسؤوليتي كذلك تجاه حتى البحر، تجاه البر، تجاه المدر، تجاه الطين، تجاه الصخر، مسؤول مسؤولية كاملة. أكبر مسؤوليتنا نحن هو الإنسان، نرتقي بهذا الإنسان». بهذه الكلمات العظيمة التي تختصر كل توصيف لهذا الإيمان العميق بالمسؤولية للارتقاء بالإنسان وحمل أمانته، قدّم صاحب السمو حاكم الشارقة، أساس نجاح القائد، وبيان ديدن سموه، ولذلك كان النمو المستدام هو المبتغى لإمارة الشارقة، وفق برامج مدروسة، تعنى بالهوية والتربية والخير، والمبرّات، ليحق لأهل الشارقة الاحتفاء بهذه العقود الخمسة من الإنجازات، وألسنتهم تلهج بكل كلمات الشكر والتقدير لسموه، مع دعوات صادقات بطول العمر وتمام الصحة والعافية.