عادي

ميرشان وقرار «سجن ترامب».. قاض قد يغيّر التاريخ الأمريكي

23:08 مساء
قراءة 6 دقائق
ميرشان وقرار «سجن ترامب».. قاض قد يغيّر التاريخ الأمريكي


إعداد ـ محمد كمال
يبدو أن القاضي خوان ميرشان على موعد مع حكم قد يغيّر التاريخ الأمريكي برمته، إذ عليه أن يقرر ما إذا كان سيفرض حكم الإدانة بحق الرئيس السابق دونالد ترامب، كما هو مخطط له في 18 سبتمبر/ أيلول، أو ينتظر إلى ما بعد الانتخابات في 5 نوفمبر/ تشرين الأول.
ومع انتهاء المحاكمة الجنائية في مايو/ أيار، أراد أحد محاميي ترامب إعطاء هيئة المحلفين تعليقات غير عادية من شأنها أن تزيد من صعوبة إدانته. إذ قال المحامي إن القضية الخاصة تتطلب قواعد خاصة، ومن الواضح أن المحاكمة الأولى لرئيس أمريكي سابق كانت «قضية مهمة للغاية». لكن بدا أن القاضي لم يتأثر، وقال: «ما تطلبون مني فعله هو تغيير القانون، ولن أفعل ذلك».
وبذل القاضي ميرشان جهوداً حثيثة للتعامل مع هذه القضية التاريخية بشكل لا يختلف عن مئات القضايا الأخرى التي أشرف عليها. ولكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من إدانة هيئة محلفين في مانهاتن لترامب بـ34 تهمة جنائية تتعلق بتزوير السجلات للتستر في القضية المعروف بـ«قضية الصمت»، يواجه القاضي المخضرم مأزقه الأكبر المتعلق بتوقيت إصدار الحكم.
تداعيات تاريخية
القاضي وافق بالفعل على تأجيل النطق بالحكم مرة واحدة، لكن من المتوقع أن يتردد صدى قراره القادم، الذي سيتم اتخاذه في خضم الحملة الرئاسية التي وضعت ترامب ضد نائبة الرئيس كامالا هاريس - خارج قاعة المحكمة في مانهاتن، بل في الولايات المتحدة ككل.
ومن الممكن أن يؤثر القرار ليس في الانتخابات فقط، بل في السياسة الأمريكية لسنوات مقبلة. ومن شبه المؤكد أن ذلك سيخضع القاضي ميرشان إلى تخمينات حزبية، في وقت اهتزت فيه ثقة الشعب الأمريكي بالسلطة القضائية، بسبب قرارات المحكمة العليا بشأن الإجهاض، والأسلحة، وغيرها من القضايا، فضلاً عن الكشف عن وقائع تشابك بين القضاة والسياسة.
وقال تشارلز جيه، أستاذ القانون في جامعة إنديانا بلومنغتون والمتخصص في السلوك القضائي والأخلاق، إن «القاضي في وضع مستحيل، ولا يمكن عقد مقارنات سهلة معه»، مضيفاً أن قرار القاضي ميرشان سيحمل تداعيات تاريخية.
السجن المحتمل
وفي حين تم اعتبار ترامب «مجرماً» بالفعل، فإنه إذا قام القاضي ميرشان بتأجيل الحكم عليه إلى ما بعد الانتخابات، فسوف يصوت الشعب الأمريكي، من دون معرفة ما إذا كان ترامب سيقضي بعض الوقت خلف القضبان. كما أن التأخير من شأنه أيضاً أن يكافئ تكتيكات المماطلة التي استخدمها ترامب طوال القضية، ويغذي الانطباع ذاته الذي عمل القاضي على تبديده ، بأن الرئيس السابق فوق القانون.
ومع ذلك، إذا فرض القاضي ميرشان، وهو ديمقراطي معتدل كان ذات يوم جمهورياً مسجلاً، حكماً قبل سبعة أسابيع فقط من يوم الانتخابات، فلا شك في أن ترامب سيتهمه بمحاولة ترجيح كفة الحملة لمصلحة هاريس.
وبعض زملاء القاضي ميرشان، رغم اعترافهم بمأزقه، توقعوا أنه سيتجاهل الضجيج السياسي، ويصدر قراراً منطقياً. وأشاروا إلى أن القاضي حافظ على سلوكه المعتاد الذي يكره الدراما أثناء ترؤسه المحاكمة، حتى عندما هاجمه ترامب هو وعائلته، مدعياً كذباً أنهم أعضاء في «عصابة ديمقراطية».
وقالت جيل كونفيزر، القاضية المتقاعدة التي عرفت القاضي ميرشان منذ أكثر من 15 عاماً: «أياً كان القرار الذي سيتخذه القاضي ميرشان، فلن يكون القرار الصحيح فحسب، بل لن يكون مدفوعاً بأي شيء سوى ما حدث في سياق هذه القضية». وأضافت: «سيُعامل دونالد ترامب بشكل عادل.. متأكدة بنسبة 100%». كما أعجب آخرون برباطة جأش ميرشان أثناء المحاكمة، وتوقعوا اتباع نهج مدروس في إصدار الحكم.
وقال أحد المقربين منه: «في بعض دوائر السلطة القضائية، هناك احتمال أن يهرب القاضي من الغرفة، ويبحث عن الطريق الأقل صعوبة.. لكنني لا أعتقد أن هذا الرجل يظهر علامات على ذلك».
وبعد الانتهاء من تحديد موعد النطق بالحكم على ترامب، لا يزال القاضي ميرشان يواجه قرارات أكثر حساسية. ووعد القاضي بالحكم هذا الشهر على طلب ترامب إلغاء إدانته في ضوء حكم المحكمة العليا الجديد الذي يمنح الرؤساء بعض الحصانة من الملاحقة القضائية. وفي مرحلة ما، سيتعين عليه أن يقرر فعلياً، ما إذا كان سيضع ترامب خلف القضبان.
ويواجه ترامب، عقوبة السجن لمدة تصل إلى أربع سنوات. لكن الخبراء القانونيين يعتقدون أنه من المرجح أن يحكم القاضي ميرشان على ترامب بالسجن لبضعة أشهر، أو تحت المراقبة.
هل يسجن ترامب وهو رئيس؟
ومهما كانت العقوبة التي سيواجهها، فمن غير المرجح أن يتم سجن ترامب قبل الانتخابات. وحتى لو أصدر القاضي الحكم في 18 سبتمبر/ أيلول، فيمكنه تأجيل أي عقوبة إلى ما بعد يوم الانتخابات، أو إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض، إلى ما بعد انتهاء ولايته الثانية.
ومن غير المرجح أن يكون للقاضي ميرشان الكلمة الأخيرة. حيث سيستأنف الرئيس السابق إدانته أمام المحاكم العليا، وإذا التزم القاضي ميرشان بخطة الحكم عليه في 18 سبتمبر، فمن المرجح أن يستأنف ترامب هذا القرار أيضاً.
وتزامنت جهود ترامب لتأجيل الحكم عليه مع صراعاته السياسية. حيث أدى دخول هاريس إلى السباق الرئاسي هذا الصيف إلى قلب الحملة رأساً على عقب، ومحا تقدم ترامب في العديد من استطلاعات الرأي، سواء على الصعيد الوطني، أو في الولايات المتأرجحة.
وفي البداية، كان من المقرر أن يصدر القاضي ميرشان الحكم على ترامب في منتصف يوليو/ تموز. لكن قبل هذا الموعد منحت المحكمة العليا ترامب حصانة واسعة من الملاحقة القضائية بسبب أعماله الرسمية كرئيس. ثم سارع محامو ترامب إلى تقديم التماس إلى القاضي ميرشان لتأجيل الحكم حتى يتمكن من النظر في إلغاء الإدانة في ضوء حكم المحكمة العليا.
ووافق المدعي العام لمنطقة مانهاتن، ألفين براج، على التأجيل، لكنه قال إن قرار المحكمة العليا «ليس له أي تأثير» في القضية.
أسباب الإدانة
ودانت هيئة المحلفين في نيويورك ترامب في مايو/ أيار، بتزوير سجلات تجارية لإخفاء تورطه في دفع أموال للممثلة ستورمي دانيلز، التي هددت قبل انتخابات عام 2016 بالكشف عن تفاصيل حول علاقتها مع ترامب، وهو ما نفاه خلال المحاكمة. وقال ممثلو الادعاء إنها قضية شخصية وسياسية لا علاقة لها بواجبات ترامب في البيت الأبيض، وبالتالي لم تتأثر بحكم المحكمة العليا.
ومع ذلك، وافق القاضي ميرشان على الحكم في قضية الحصانة في أوائل سبتمبر/ أيلول، والحكم على ترامب بعد ذلك. ثم سعى ترامب إلى تنحية القاضي من القضية للمرة الثالثة، مدعياً أن ابنته لها علاقات بهاريس. ورفض القاضي التنحي، وانتقد «التلميحات والتوصيفات الخاطئة» التي أطلقها ترامب، لكن الرئيس السابق نجح في تنظيم تأخير آخر. وقام القاضي بتأجيل حكم الحصانة حتى 16 سبتمبر، أي قبل يومين من النطق بالحكم المقرر.
ثم سعى محامو ترامب إلى استخدام هذا الجدول الزمني الضيق لمصلحتهم، بحجة أنه لن يكون لديهم الوقت الكافي لتقديم استئناف إذا رفض القاضي ميرشان عرض الحصانة. وقالوا إنه من العدل أن نستمر إلى ما بعد الانتخابات.
وتجنب براج، وهو ديمقراطي، تبادل التراشقات الحزبية، ورفض تأييد أو معارضة طلب ترامب، قائلاً إنه على الرغم من أن الجدول الزمني يشكل تحديات، إلا أن الحكم يجب أن يتم «من دون تأخير غير معقول». وأشار المدعون العامون لبراج بشكل منفصل إلى أن مشاكل الجدولة التي أعرب عنها ترامب نشأت عن «أساليب التقاضي الاستراتيجية والمماطلة» الخاصة به.
استراتيجية ممالطة
وفي أواخر الأسبوع الماضي، ابتكر ترامب استراتيجية تأخير أخرى، ساعياً هذه المرة إلى نقل القضية إلى المحكمة الفيدرالية، مستشهداً مرة أخرى بحكم الحصانة الصادر عن المحكمة العليا. لكن الثلاثاء، نفى قاض فيدرالي ادعاءات ترامب بالحصانة، مشيراً إلى أن «المدفوعات المالية مقابل الصمت كانت أعمالًا خاصة، وغير رسمية، خارج حدود السلطة التنفيذية».
وبينما ينوي ترامب الاستئناف، فإن الحكم يبقي القضية في قاعة محكمة القاضي ميرشان في الوقت الحالي. وقال ستيفن جيلرز، أستاذ القانون في جامعة نيويورك والخبير في الأخلاق القانونية، إن القاضي ميرشان يجب أن يقدم توضيحات بشأن الأسباب الكامنة وراء أي قرار.
وعلى مدى أكثر من عام من الإشراف على القضية، قاوم القاضي ميرشان العديد من مناورات ترامب الأكثر جرأة، مع التأكيد على ضرورة أن يكون عادلاً مع الرئيس السابق.
وفي مارس/ آذار، قام بتأجيل المحاكمة لمدة ثلاثة أسابيع للسماح لمحامي ترامب بمراجعة أدلة إضافية، لكنه رفض تأجيلها لفترة أطول تصل إلى عدة أشهر، كما طلبوا. وعلى الرغم من أنه سمح بمواصلة جزء كبير من قضية الادعاء، فإنه أزال بعض ما اعتبره أدلة ضعيفة.
وبينما فرض أمر حظر النشر على ترامب الذي منعه من مهاجمة الشهود والمدعين العامين وأسرة القاضي، فقد قاوم الدعوات إلى سجن ترامب لانتهاكه الأمر بشكل متكرر. وقال أمام المحكمة في أوائل مايو/ أيار: «يا سيد ترامب، من المهم أن تفهم أن آخر شيء أريد فعله هو أن أضعك في السجن.. أنت الرئيس السابق للولايات المتحدة، وربما الرئيس المقبل أيضاً».
وتوقع مارتن هورن، الأستاذ الفخري في كلية جون جاي للعدالة الجنائية والمدير التنفيذي للجنة إصدار الأحكام في ولاية نيويورك، أنه على الرغم من احتجاجات ترامب على عكس ذلك، فإن القاضي ميرشان سيسعى مرة أخرى إلى معاملة الرئيس السابق كما كان يفعل. «أي كاأي متهم آخر»

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"