جوليا كاربونارو *
فشلت جهود الحكومة الصينية في تحقيق الاستقرار في قطاع العقارات المتعثر، ومن المرجح أن تستمر المشاكل في الضغط على اقتصاد البلاد، رغم محاولات ضبط الأوضاع في سوق دخلت نفق الفوضى المظلم عام 2021 عندما تخلفت «مجموعة إيفرغراند» العملاقة عن سداد ديونها.
ولكن على الرغم من التدابير المطروحة، ومن بينها خفض متطلبات الدفعة الأولى في بعض الأماكن، والتخلص من أرضية أسعار الرهن العقاري وتخفيف قيود الشراء، فإنه لا يوجد دليل حتى الآن على أن هذه التدابير تفعل أي شيء قريب بما يكفي لتحقيق الاستقرار في السوق، ولا يبدو أن هناك أي تحسن ملموس في قطاع العقارات الصيني. ففي يونيو، انخفض مؤشر متوسط أسعار العقارات في 70 مدينة بنسبة 7.9% على أساس سنوي، وكان هذا أكبر انخفاض سنوي مسجل على الإطلاق.
وقال البروفيسور كينت دينج، القارئ في التاريخ الاقتصادي ومدير شبكة الصين في المنظور المقارن: «اشتدت أزمة قطاع الإسكان الصيني في العقارات الجديدة والمعاد بيعها في الاثني عشر شهراً الماضية، وانخفضت الأسعار في هاتين السوقين الفرعيتين بنسبة 40% على الأقل، ولا توجد علامة لوقف هذا الاتجاه. ومن المرجح أن ينخفض مستوى الأسعار بنسبة 10% إلى 20% أخرى قبل الاستقرار، وقد يستمر الانحدار حتى نهاية عام 2025.
وخلُص دينج إلى أن خطط الحكومة الصينية للتغلب على الأزمة الحالية قد فشلت.
ورغم المحاولات بجعل انخفاض أسعار المساكن غير قانوني بموجب القانون، فشل عدد متزايد من حاملي الرهن العقاري في الوفاء بالتزاماتهم. ونتيجة لهذا، اضطرت البنوك إلى بيع هذه العقارات بالمزاد العلني مع دفع أقساط الرهن العقاري بأسعار زهيدة. وقد أدى هذا بدوره إلى تقويض سيطرة الحكومة على الأسعار إلى حد كبير، بسبب حقيقة أن جميع بنوك الإقراض العقاري مملوكة للدولة أيضاً، ما جعل القانون المذكور غير فعال.
ويرى بعض المحللين، أن بكين لا تحاول تنشيط سوق العقارات، لأن السياسة الاقتصادية الصينية تحكمها. وهناك هدف رئيسي واحد، هو الحد من اعتماد الاقتصاد على الاستثمارات العقارية بشكل أساسي ودائم، لأنه ضرب من الجنون أن تضع جميع البيض في سلة واحدة، وهو ما يتمثل في توليد كثير من الناتج المحلي الإجمالي الصيني من خلال الاستثمار العقاري فحسب. ومن وجهة النظر هذه، فمن المنطقي تنويع الاقتصاد بعيداً عن العقارات.
ولكن هناك تفسير آخر وراء الرغبة في إعادة تركيز الاقتصاد الصيني بعيداً عن قطاع العقارات، وله علاقة كبيرة بالجغرافيا السياسية.
كما قال الخبراء. ففي بيئة تشعر فيها الصين بالتهديد من خطر العقوبات، من خلال إجراءات السياسة التجارية، والسياسة الصناعية المصممة لتقييد الاقتصاد الصيني، تحاول بكين خفض اعتمادها على الاستثمار العقاري لتحرير رأس المال وموارد الائتمان التي يمكن أن تتحول بعد ذلك إلى أنواع أخرى من الأنشطة الاقتصادية الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية هذه الأيام من وجهة نظرها، وهي أشباه الموصلات، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والأدوية الحيوية، والطاقة الخضراء، والكفاءة الزراعية.
ومن خلال هذا التحول المؤلم المحتمل، تريد البلاد زيادة اعتمادها على نفسها حتى تتمكن من تحمّل صدمة أي عقوبات منسقة محتملة من الغرب في المستقبل. ويضع هذا الهدف جهود الصين الرامية إلى استقرار قطاع العقارات في منظورها الصحيح، رغم فشل السلطات الصينية في تقديم أي نوع من التحفيز المالي الذي يغير قواعد اللعبة، وفشلها أيضاً في تخفيف السياسة النقدية بأي طريقة ذات مغزى.
وأعتقد أن هذا الفشل يمكن فهمه من خلال أخذ الجغرافيا السياسية في الاعتبار. فإذا كنت قلقاً بشأن المخاطر الجيوسياسية، فإن ما تريد القيام به هو عدم وجود اقتصاد مدفوع بالمستهلك، إنهم يريدون إبقاء المواطنين الصينيين مقتصدين ومنضبطين. فما هي الحلول الأخرى التي يمكن لبكين تنفيذها؟
لا يستطيع محلل أن يتخيل ما هو التالي، حيث لم توضح الحكومة الصينية خطتها لإصلاح القطاع، في ظل تقييدها بالدين العام للبلاد. فقد بلغ رصيد الدين العام الموسع للصين العام الماضي، والذي شمل الدين الحكومي وديون القطاع العام خارج الميزانية العمومية، 116% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي.
وقال الرئيس الصيني شي جينبينغ، في عام 2017 «إن الاستقرار المالي عنصر أساسي في الأمن القومي».
وبسبب عدم الرغبة في خلق نقاط ضعف مالية، فإن الصين غير راغبة في تخفيف السياسة المالية. لذا فإن أحد الخيارات السهلة، والذي قد يتلخص في شراء الدولة مجموعة من العقارات، غير متاح ببساطة، لأن الحكومة غير راغبة على الإطلاق في تخفيف السياسة المالية.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد الصيني يعاني، وهناك عنصران واضحان فيه لا يعملان بشكل جيد، وهما سوق العقارات والاعتماد الشديد على الصادرات. من الناحية المثالية، ستخفض الصين صادراتها وتحوّل انتباهها إلى سوقها المحلية. ولكن هذا يعني شطب 30% من الناتج المحلي الإجمالي للصين، والتسبب في معدل كبير من البطالة الصناعية.
وعندما نضع هذا في الحسبان في سوق العقارات في الصين، فسوف نجد أن مزيداً من الأفراد سوف يعلنون إفلاسهم بعد فقدان وظائفهم، وبالتالي سوف يتأخر سداد المزيد من الرهن العقاري، وهو أمر متوقع.
* مراسلة «نيوزويك» في لندن