بقلم السفيرين يوسف العتيبة ومارتينا سترونغ

في عام 1974 قام وفد أمريكي مكون من رواد فضاء وعلماء من وكالة ناسا بزيارة أبوظبي وذلك لإطلاع مؤسس دولة الإمارات وأول رئيس لها، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على بعثات أبولو إلى القمر.
ولم يكن أحد ليتصور حينها أن دولة الإمارات ستصبح شريكاً رئيسياً في بعثات أرتميس التي تقودها وكالة ناسا والتي ستعيد البشرية إلى القمر من خلال تقديم مساهمة مهمة في برنامج «غيت واي» الذي سيؤسس أول محطة مدارية قمرية على الإطلاق.
وعندما يزور رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، واشنطن، الاثنين، لحضور اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس جو بايدن، فإنه سيسلط الضوء على مسار نصف قرن من الشراكات بين البلدين التي حققت الرخاء والأمن والتقدم العلمي في الدولتين.
وعندما يتعلق الأمر بالتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي فإن قِلة من البلدان تعمل معاً بشكل وثيق وتتحرك بسرعة مثل الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية،
فوادي السيليكون في الولايات المتحدة وواحة السيليكون في الإمارات تدفعان أبحاث الذكاء الاصطناعي والابتكار نحو أقصى حد.
ويقومان بذلك من خلال شراكات تشمل المختبرات وقاعات الاجتماعات ومرافق الإنتاج المتقدمة. 
وتبدو المشاهد الموجودة على طول شارع الشيخ زايد، من أبوظبي إلى دبي، مألوفة للغاية لأي مسؤول تنفيذي أمريكي في مجال التكنولوجيا، حيث تسطع في هذا الطريق لافتات غوغل وميتا و«آي بي إم» ومايكروسوفت.
وهذا الأسبوع انضمت شركة الاستثمار التكنولوجي «ام جي اكس» MGX، في أبو ظبي، إلى شركة مايكروسوفت وشركة الاستثمار الأمريكية «بلاك روك» وآخرين لإطلاق منصة جديدة بهدف الاستثمار في البنية التحتية للتكنولوجيا.
وعلى مدار العام الماضي تعاونت شركة سيربيراس Cerebras، في وادي السيليكون مع «جي42» في الإمارات لنشر العديد من أسرع أجهزة الكمبيوتر العملاقة في العالم للتدريب على الذكاء الاصطناعي في كاليفورنيا وتكساس كما أن الاستثمار التحويلي لشركة مبادلة في «غلوبال فاندريز»، التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، يسهم في اتساع نطاق الولايات المتحدة.
وتسعى «جي42» إلى تعزيز قدراتها في تصنيع أشباه الموصلات وإضافة آلاف الوظائف إلى اقتصاد الابتكار في المنطقة، وتتعاون مع أيضاً مع آزور مايكروسوفت في إنشاء منصة حوسبة سحابية جديدة في الإمارات، وتعمل مع شركات تكنولوجية أمريكية رائدة أخرى، مثل انفيديا و«ايه ام دي» وفاست وكوالكوم، لتوسيع البنية التحتية للتكنولوجيا المتقدمة في الإمارات.
وتدرك بلداننا فوائد التكنولوجيا والتعاون العلمي، وتلتزم بتوسيع نطاق عملنا في المبادرات الجديدة، بما في ذلك المعايير المعززة لحماية البيانات والتقنيات الحساسة، والتعاون الأكبر في مجال البحث والتعليم فضلاً عن البرامج الرامية إلى تضييق الفجوة الرقمية من خلال توفير المزيد من التقنيات الأساسية المتاحة للجميع، مع ضمان أعلى معايير الأمان والخصوصية.
وكما هو الحال في اتفاقية التعاون النووي بين الإمارات والولايات المتحدة، فإن هذه الجهود التعاونية قد تصبح المعيار الذهبي الجديد لتأمين ودفع الجيل القادم من التقنيات. 
و«اتفاقية 123»، التي تم التوصل إليها في عام 2009 مكنت دولة الإمارات من تطوير الطاقة النووية المدنية التي توفر الآن الكهرباء منخفضة الانبعاثات لمراكز البيانات في البلاد.
وتأتي الزيارة أيضاً في إطار مؤتمر المناخ التاريخي «كوب28» الذي استضافته الإمارات في ديسمبر الماضي، والذي كان بمثابة لحظة محورية للتعاون بين الولايات المتحدة والإمارات في معالجة أزمة المناخ وتسريع الانتقال في مجال الطاقة.
وتساهم التكنولوجيا المتقدمة والعمل المناخي في خلق فرص عمل جديدة تجذب الشركات ورجال الأعمال والمستثمرين الأمريكيين إلى دولة الإمارات.
ومكانة الإمارات كمنطقة تلاقٍ عالمية للأعمال والإعلام والثقافة، أسهمت في جعلها بوابة أيضاً للأسواق سريعة النمو في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والهند وآسيا. 
ففي الإمارات تعمل أكثر من 1500 شركة ومؤسسة أمريكية، ما يسهم في نموها وتنويع اقتصادها وخلق فرص العمل كما يعيش فيها الآن أكثر من 50 ألف أمريكي.
ومن الطبيعي أن تتدفق منافع خمسة عقود من التجارة الثنائية والمشاركة في كلا الاتجاهين.
فقد استثمرت الإمارات أكثر من تريليون دولار في كافة قطاعات الاقتصاد الأمريكي، وتعد أكبر وجهة للصادرات الأمريكية في الشرق الأوسط وقد تجاوز حجم التجارة الثنائية 31 مليار دولار في عام 2023 وحده.
وتتمتع الولايات المتحدة والإمارات بعلاقات أمنية متينة والتزام مشترك تجاه منطقة الشرق الأوسط التي تنعم بالسلام والاستقرار والازدهار. 
وفي إطار شراكة وثيقة نعمل على تعزيز الحلول الدبلوماسية المتعددة الأطراف وتوفير المساعدات الإنسانية العاجلة في غزة والسودان.
إن تعاوننا المستمر في مجال الدفاع ومكافحة الإرهاب يجعل بلدينا والعالم أكثر أمناً؛ فلقد وقفت القوات الإماراتية والأمريكية جنباً إلى جنب في ستة صراعات على مدى السنوات الثلاثين الماضية وقد أدت شجاعتهم وتفانيهم في أداء الواجب إلى ترسيخ أقوى الروابط بين بلدينا.
ومن خلال مواصلة الشراكة معاً واستكشاف الفرص الجديدة ومعالجة التحديات المشتركة الماثلة أمامنا فإننا نبقي أعيننا نصب رؤية أفضل للمنطقة وللأعوام الخمسين المقبلة من التعاون بيننا.
وكما ألهمت مهمة «أبولو» أجيالاً من العلماء والمهندسين فإن دولة الإمارات والولايات المتحدة تلتقيان بالمستقبل معاً من خلال مهمة غيتواي والعديد من الطرق الأخرى.
وبعد أن أدرك المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أهمية الهبوط على سطح القمر وما يحمله من فوائد للمنطقة والعالم، قال: «إذا شاء الله فإن الإنسان يستطيع أن يحقق كل شيء، فلا شيء مستحيلاً».