في كل ربيع تستعيد واشنطن أحد أكثر تقاليدها السياسية رسوخاً: عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض، حيث تلتقي السلطة التنفيذية بالسلطة الرابعة في مشهد لم يكن يوماً مجرد مأدبة، بل هو طقس جمهوري يذكّر الأمريكيين بأن الرئيس، مهما علا منصبه، يبقى موضع مساءلة أمام الصحافة والرأي العام. هذا العام عاد العشاء بعد أن مزقته رصاصات إبريل، لكن المفارقة أن أخطر ما خرج به لم يكن الرصاص، بل قبعة كُتب عليها Trump 2028.
حين قال ترامب مبتسماً: لقد فزت ثلاث مرات.. وسأفعلها للمرة الرابعة، لم يكن يعلن ترشحه، كما لم يكن يمزح! كان يفعل ما أتقنه طوال مسيرته السياسية، يدفع حدود الممكن خطوة إلى الأمام، ثم يراقب كيف تتفاعل المؤسسات مع الفكرة. لقد كرر هذا الخطاب في أكثر من مناسبة، حتى لم تعد القضية تصريحاً عابراً، بل غدت نمطاً سياسياً قائماً على نقل المستحيل إلى دائرة النقاش، ففي السياسة، لا تنتصر الأفكار دائماً بالقوة، بل بالتكرار، إذ يكفي أن تتحول من أمر غير قابل للتصور إلى احتمال يناقشه الجميع، حتى تبدأ بإعادة رسم حدود الواقع.
ولهذا كانت ردود الفعل أكثر أهمية من التصريح نفسه، فالديمقراطيون لم يتعاملوا مع الأمر بوصفه دعابة سياسية، بل باعتباره اختباراً حقيقياً للدستور، فسارعوا إلى إعادة التأكيد على سريان التعديل الثاني والعشرين، واعتبر بعضهم أن ما يفعله ترامب ليس سوى بالونات اختبار لقياس استعداد المؤسسات للتراجع خطوة بعد أخرى. وفي المقابل، انقسم الجمهوريون بين من رأى الفكرة استفزازاً سياسياً يجيد ترامب توظيفه، ومن بدأ يتعامل معها بوصفها مشروعاً دستورياً يستحق النقاش، حتى وصل الأمر إلى تقديم مقترح لتعديل الدستور يسمح بولاية ثالثة. وهنا تكمن أهمية اللحظة، لأن أخطر ما في الأفكار ليس تبنيها، بل كسر الحاجز النفسي الذي كان يمنع مجرد التفكير فيها.
قانونياً، تبدو الصورة محسومة، فالتعديل الثاني والعشرون يمنع انتخاب أي شخص رئيساً أكثر من مرتين، لكن الجدل لم يتوقف عند النص، بل امتد إلى العلاقة بينه وبين التعديل الثاني عشر، وإلى فرضيات تتعلق بإمكانية الوصول إلى الرئاسة عبر خط الخلافة الدستورية، لا عبر الانتخاب المباشر. ورغم أن أغلبية فقهاء القانون الدستوري الأمريكي يرون أن هذه القراءات تصطدم بروح الدستور ومقصده، فإن مجرد تداولها يكشف أن الصراع لم يعد على النصوص وحدها، بل على حدود تأويلها.
واختزال القضية في جدل قانوني يُفَوت ما هو أعمق، فالولاية الثالثة ليست سوى نافذة نطل منها على سؤال أكبر: أي رئاسة يريدها ترامب للولايات المتحدة؟ فإذا جُمعت معاركه مع الكونغرس، وصداماته مع القضاء، ومواجهاته مع الوكالات الفيدرالية، وخطابه المتكرر عن «الدولة العميقة»، بدا أن الأمر يتجاوز خلافاً سياسياً عابراً إلى مشروع يعيد طرح سؤال تأسيسي: أين تنتهي سلطة الرئيس، وأين تبدأ سلطة المؤسسات؟
لقد قامت الجمهورية الأمريكية على فكرة بسيطة وعظيمة في آن واحد، أن الحرية لا تُحمى بحسن نيات الحكام، بل بتقييد السلطة نفسها. ولهذا لم يكن الفصل بين السلطات مجرد تنظيم إداري، بل فلسفة حكم كاملة.
في المقابل، يزداد حضور تيار محافظ يرى أن الدولة الأمريكية لم تعد تعاني من تركز السلطة، بل من تشظيها، وأن الرئيس المنتخب أصبح مكبلاً بمؤسسات وبيروقراطية تعيق تنفيذ التفويض الشعبي الذي منحه إياه الناخبون. ومن هذه الزاوية، لا تبدو معركة ترامب مع ما يسميه أنصاره «الدولة العميقة»، مجرد مواجهة مع خصوم سياسيين، بل محاولة لإعادة تعريف موقع الرئاسة داخل النظام الدستوري الأمريكي، وتوسيع حدود السلطة التنفيذية بما يتجاوز التقاليد التي استقرت لعقود.
وهكذا، يتحول سؤال الولاية الثالثة إلى مجرد عرض لمرض أعمق، فالقضية ليست إن كان ترامب سيحصل على أربع سنوات إضافية، بل إن كان قد نجح بالفعل في دفع الولايات المتحدة إلى إعادة التفكير في الفلسفة التي قامت عليها جمهوريتها: هل تبقى الحرية رهناً بقيود تُفرض على السلطة، أم تصبح فعالية السلطة أولوية حتى لو أعيد تفسير تلك القيود؟
قد لا ينجح ترامب في أن يصبح أول رئيس أمريكي يحكم ولاية ثالثة، وقد تغلق المحكمة العليا والكونغرس كل المنافذ الدستورية المؤدية إليها، لكن التاريخ قد يتذكر هذه اللحظة لسبب آخر، لأنها المرة التي لم يُختبر فيها نص دستوري فحسب، بل اختُبر الإيمان الأمريكي بالدستور نفسه. الجمهوريات لا تبدأ بالانكسار حين يُهزم قانون، بل حين يصبح القانون قابلاً لإعادة التأويل كلما ظهر رجل أقوى من القيود التي صُنعت لتقييده. وعندما يصل أي نظام سياسي إلى لحظة يصبح فيها السؤال: كيف نعيد تفسير الدستور؟ أكثر حضوراً من السؤال: كيف نحمي الدستور؟ فإن التحدي لا يعود متعلقاً برئيس أو ولاية أو حزب، بل بفكرة الجمهورية ذاتها، تلك الفكرة التي جعلت الولايات المتحدة، لأكثر من قرنين، تؤمن بأن بقاء المؤسسات أهم من بقاء الرجال، وأن عظمة الدول لا تُقاس بقوة قادتها، بل بقدرة دساتيرها على أن تبقى أعلى منهم جميعاً.
