الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين تبكي الأمهات مرتين

27 يوليو 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 27 يوليو 00:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبل أربع سنوات، وقفت في صالة المطار بين جموع المودعين والمستقبلين ألوح بيدي، لفلذة كبدي فاطمة وهي تسير نحو بوابة السفر، بعد النداء الأخير لركاب الطائرة المغادرة إلى لندن، حاملة حقيبة صغيرة مع أحلامها الكبيرة، التي قد لا تتسع حقائب السفر لحملها ،كنت أحاول باستماتة أن أحبس دموعي التي كنت أحس بها ساخنة في عيني ، أحاول أن أبدو قوية، وأن أبتسم في وجهها كي لا أزيد من توترها، لكنها لم تكن تعلم حينها أن قلبي المتعب كان ينهار بصمت، أما دموعي التي أحبسها فقد كانت تؤجل موعد سقوطها حتى أختلي بنفسي.
لم يكن وداعي لابنتي سهلاً، فوالله لا أصعب من أن ترى قطعة من روحك وهي تغادر بعيداً، إلى بلاد لا تعرف طرقها ولا وجوه أهلها، ولا تعرف كيف ستكون أيامها فيها، كنت أسأل نفسي وأنا أتجرع ألم الوداع كيف ستواجه وحدتها، ومن سيمسح دمعتها إذا ضاقت بها الحياة في غربتها ؟
الأم في داخلي تخشى عليها من كل شيء، تخشى عليها من المرض، ومن الغربة، ومن خيبة الأمل، من اللحظات التي قد تحتاج فيها إلى حضن أمها فلا تجد أمامها إلا خليط ذكريات.
ودعتها بالألم وضممتها إلى صدري في عناق كأنه اختلاجات روحي، وعندما عدت إلى البيت من دونها، لم أعرف النوم في تلك الليلة.
لم يكن البيت كما كان، والغرفة التي اعتادت أن تملأها ضحكاتها، احتلها صمت أثقل من أن يحتمل، في تلك اللحظات التي أعجز عن وصفها أدركت أن الغياب لا يقاس بعدد الكيلومترات، بل بحجم المكان الذي يحتله الإنسان في قلوبنا.
مرت الأيام ثقيلة، وتحولت إلى شهور ثم إلى سنوات، قضيتها كأنني أتوه في فراغ ،صوتها يلاحقني في كل مكان، أستمع إلى كلماتها وصوتها الدافئ، كان ألم الفراق كبيراً ، بيد أن ما يخففه قليلاً هو أنها كانت تنجح في كل اختبار.
في غربتها وهي تعبد لنفسها طريق النجاح، لم تكن تعود إلى غرفتها بعد المحاضرات وهي تحمل الكتب فقط، بل كانت تحمل معها دروساً جديدة في الصبر كل يوم ، وتتعرف إلى معانٍ جديدة للاعتماد على النفس، بخطوات واثقة نحو النضج.
بكيت كثيراً في غيابها، وبللت وسادتي بالدموع كثيراً في هدأة الليالي.. وأراني اليوم أبكي مرة أخرى، ولكن بدموع لا تعكس ملوحتها ألم البعد والفراق كما في الأمس حيث دموع الوداع، لكنها اليوم دموع الامتنان لله، ودموع الفخر التي لا تستطيع الكلمات مهما كانت أن تصفها.
اليوم أبكي فرحاً لأنني أراها تعود إليّ أكبر مما كانت، لا في العمر فحسب، بل في الفكر والنضج، وفي الشخصية والقدرة على مواجهة الحياة، بعد أن حصلت على شهادتها، وعادت إنسانة أقوى.
تعلمت ابنتي فاطمة كيف تقف وحدها، حين لا تجد من يسندها، تعلمت كيف تصنع الأمل ، وكيف تحول الغربة إلى مدرسةٍ ، ومن خوفٍ ورهبة إلى ثقةٍ تضيء المستقبل.
عندما عادت فلذة كبدي تحمل شهادتها الجامعية، قبلتها بجنون، وأدركت أن التربية الحقيقية لا تظهر حين يكون الأبناء إلى جوارنا، بل حين يبتعدون عنّا، فيحملون معهم ما غرسناه في نفوسهم من قيم ومبادئ، وما زرعناه في قلوبهم من إيمان، ومن أخلاق.
في لحظة تخرجها في الجامعة لم أر فتاة ترتدي ثوباً أكاديمياً، بل رأيت سنواتٍ من الدعاء، ومن الليالي الطويلة التي قضيتها في تربيتها، وأيام الانتظار لرسائل الاطمئنان، ورأيت قلقي الذي أخفيته عنها وهي تسافر بعيداً عني، كأنها قطعة من روحي، رأيت رحلة كاملة، بدأت بدمعة وداع حارة ومؤلمة، وانتهت بدمعة فخر واعتزاز.
في وداعي لها كنت أحاول إخفاء انكسار قلبي كي لا تضعف، فأشعر بألم الوداع وألم حبس مشاعري، أما بعد أن عادت فها أنا أبكي بكل جرأة من دون أن أكابد العناء لحبس دموعي، فدموعي الآن دموع أم آمنت بأحلام أبنائها قبل أن
يصدقها العالم، فالأمهات لا ينتظرن من الحياة مكافآت كثيرة، إذ تكفيهن لحظة يرون فيها أبناءَهن وقد أصبحوا رجالاً ونساءً صالحين، يحملون راية العلم والأخلاق بتواضع، ويجعلون من تعب السنين جسوراً يعبرون عليها، إلى مستقبل مشرق وآمن، يليق بأحلامهم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة