الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يوسف العتيبة
سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة
أحدث مقالات يوسف العتيبة
22 سبتمبر 2024
يوسف العتيبة ومارتينا سترونغ: يوحدنا الابتكار والتقدم.. الشراكة الدائمة بين الإمارات وأمريكا

بقلم السفيرين يوسف العتيبة ومارتينا سترونغ

في عام 1974 قام وفد أمريكي مكون من رواد فضاء وعلماء من وكالة ناسا بزيارة أبوظبي وذلك لإطلاع مؤسس دولة الإمارات وأول رئيس لها، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على بعثات أبولو إلى القمر.
ولم يكن أحد ليتصور حينها أن دولة الإمارات ستصبح شريكاً رئيسياً في بعثات أرتميس التي تقودها وكالة ناسا والتي ستعيد البشرية إلى القمر من خلال تقديم مساهمة مهمة في برنامج «غيت واي» الذي سيؤسس أول محطة مدارية قمرية على الإطلاق.
وعندما يزور رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، واشنطن، الاثنين، لحضور اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس جو بايدن، فإنه سيسلط الضوء على مسار نصف قرن من الشراكات بين البلدين التي حققت الرخاء والأمن والتقدم العلمي في الدولتين.
وعندما يتعلق الأمر بالتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي فإن قِلة من البلدان تعمل معاً بشكل وثيق وتتحرك بسرعة مثل الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية،
فوادي السيليكون في الولايات المتحدة وواحة السيليكون في الإمارات تدفعان أبحاث الذكاء الاصطناعي والابتكار نحو أقصى حد.
ويقومان بذلك من خلال شراكات تشمل المختبرات وقاعات الاجتماعات ومرافق الإنتاج المتقدمة. 
وتبدو المشاهد الموجودة على طول شارع الشيخ زايد، من أبوظبي إلى دبي، مألوفة للغاية لأي مسؤول تنفيذي أمريكي في مجال التكنولوجيا، حيث تسطع في هذا الطريق لافتات غوغل وميتا و«آي بي إم» ومايكروسوفت.
وهذا الأسبوع انضمت شركة الاستثمار التكنولوجي «ام جي اكس» MGX، في أبو ظبي، إلى شركة مايكروسوفت وشركة الاستثمار الأمريكية «بلاك روك» وآخرين لإطلاق منصة جديدة بهدف الاستثمار في البنية التحتية للتكنولوجيا.
وعلى مدار العام الماضي تعاونت شركة سيربيراس Cerebras، في وادي السيليكون مع «جي42» في الإمارات لنشر العديد من أسرع أجهزة الكمبيوتر العملاقة في العالم للتدريب على الذكاء الاصطناعي في كاليفورنيا وتكساس كما أن الاستثمار التحويلي لشركة مبادلة في «غلوبال فاندريز»، التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، يسهم في اتساع نطاق الولايات المتحدة.
وتسعى «جي42» إلى تعزيز قدراتها في تصنيع أشباه الموصلات وإضافة آلاف الوظائف إلى اقتصاد الابتكار في المنطقة، وتتعاون مع أيضاً مع آزور مايكروسوفت في إنشاء منصة حوسبة سحابية جديدة في الإمارات، وتعمل مع شركات تكنولوجية أمريكية رائدة أخرى، مثل انفيديا و«ايه ام دي» وفاست وكوالكوم، لتوسيع البنية التحتية للتكنولوجيا المتقدمة في الإمارات.
وتدرك بلداننا فوائد التكنولوجيا والتعاون العلمي، وتلتزم بتوسيع نطاق عملنا في المبادرات الجديدة، بما في ذلك المعايير المعززة لحماية البيانات والتقنيات الحساسة، والتعاون الأكبر في مجال البحث والتعليم فضلاً عن البرامج الرامية إلى تضييق الفجوة الرقمية من خلال توفير المزيد من التقنيات الأساسية المتاحة للجميع، مع ضمان أعلى معايير الأمان والخصوصية.
وكما هو الحال في اتفاقية التعاون النووي بين الإمارات والولايات المتحدة، فإن هذه الجهود التعاونية قد تصبح المعيار الذهبي الجديد لتأمين ودفع الجيل القادم من التقنيات. 
و«اتفاقية 123»، التي تم التوصل إليها في عام 2009 مكنت دولة الإمارات من تطوير الطاقة النووية المدنية التي توفر الآن الكهرباء منخفضة الانبعاثات لمراكز البيانات في البلاد.
وتأتي الزيارة أيضاً في إطار مؤتمر المناخ التاريخي «كوب28» الذي استضافته الإمارات في ديسمبر الماضي، والذي كان بمثابة لحظة محورية للتعاون بين الولايات المتحدة والإمارات في معالجة أزمة المناخ وتسريع الانتقال في مجال الطاقة.
وتساهم التكنولوجيا المتقدمة والعمل المناخي في خلق فرص عمل جديدة تجذب الشركات ورجال الأعمال والمستثمرين الأمريكيين إلى دولة الإمارات.
ومكانة الإمارات كمنطقة تلاقٍ عالمية للأعمال والإعلام والثقافة، أسهمت في جعلها بوابة أيضاً للأسواق سريعة النمو في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والهند وآسيا. 
ففي الإمارات تعمل أكثر من 1500 شركة ومؤسسة أمريكية، ما يسهم في نموها وتنويع اقتصادها وخلق فرص العمل كما يعيش فيها الآن أكثر من 50 ألف أمريكي.
ومن الطبيعي أن تتدفق منافع خمسة عقود من التجارة الثنائية والمشاركة في كلا الاتجاهين.
فقد استثمرت الإمارات أكثر من تريليون دولار في كافة قطاعات الاقتصاد الأمريكي، وتعد أكبر وجهة للصادرات الأمريكية في الشرق الأوسط وقد تجاوز حجم التجارة الثنائية 31 مليار دولار في عام 2023 وحده.
وتتمتع الولايات المتحدة والإمارات بعلاقات أمنية متينة والتزام مشترك تجاه منطقة الشرق الأوسط التي تنعم بالسلام والاستقرار والازدهار. 
وفي إطار شراكة وثيقة نعمل على تعزيز الحلول الدبلوماسية المتعددة الأطراف وتوفير المساعدات الإنسانية العاجلة في غزة والسودان.
إن تعاوننا المستمر في مجال الدفاع ومكافحة الإرهاب يجعل بلدينا والعالم أكثر أمناً؛ فلقد وقفت القوات الإماراتية والأمريكية جنباً إلى جنب في ستة صراعات على مدى السنوات الثلاثين الماضية وقد أدت شجاعتهم وتفانيهم في أداء الواجب إلى ترسيخ أقوى الروابط بين بلدينا.
ومن خلال مواصلة الشراكة معاً واستكشاف الفرص الجديدة ومعالجة التحديات المشتركة الماثلة أمامنا فإننا نبقي أعيننا نصب رؤية أفضل للمنطقة وللأعوام الخمسين المقبلة من التعاون بيننا.
وكما ألهمت مهمة «أبولو» أجيالاً من العلماء والمهندسين فإن دولة الإمارات والولايات المتحدة تلتقيان بالمستقبل معاً من خلال مهمة غيتواي والعديد من الطرق الأخرى.
وبعد أن أدرك المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أهمية الهبوط على سطح القمر وما يحمله من فوائد للمنطقة والعالم، قال: «إذا شاء الله فإن الإنسان يستطيع أن يحقق كل شيء، فلا شيء مستحيلاً».

30 أبريل 2024
«الذكاء الاصطناعي» بصياغة أمريكية إماراتية

* يوسف العتيبة

لقد وصل عصر الذكاء الاصطناعي، معلناً عن تحول سيطال جميع مفاصل الحياة الحديثة والشؤون الدولية. وبما أن النفط كان ثروة القرن الماضي، فالبيانات هي ثروة هذا القرن.
لكنه في المقابل قد يفلت من بين أيدينا، فالذكاء الاصطناعي عبارة عن تكنولوجيا يمكن أن تتكاثر بعيداً عن ضوابط وحدود العالم المادي، بسرعة لم يكن من الممكن تصورها قبل عقد من الزمن.
وفي ضوء ذلك، تعمل الصفقات التجارية، مثل التي تم الإعلان عنها مؤخراً بين شركتي «مايكروسوفت» و«جي 42» في أبوظبي، على تسريع آلية نشر الجيل القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحقيق الفوائد في جميع أنحاء العالم.
وتمثل الاتفاقية، التي تتضمن استثماراً قيمته 1.5 مليار دولار من عملاق البرمجيات الأمريكي في شركة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الرائدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، تتويجاً لشراكة استراتيجية شاملة بين المنظمتين، من شأنها تعزيز حلول الذكاء الاصطناعي الإقليمية وتطوير القوى العاملة في القطاع، وتوسعة مراكز البيانات حول العالم.
ولضمان المزايا التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، يجب على الحكومات أن تتسابق للوصول إلى الإمكانات الحقيقية للتكنولوجيا، والحد من أضرارها. وهنا تتكشف أمامنا أسئلة مهمة، من يتحكم بالبيانات وقوة الحوسبة؟ وما هي القواعد الضرورية لخلق وصول عادل ومسؤول في كل من الأسواق الناشئة والناضجة؟ وأين الطاقة النظيفة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات والتي هي بمثابة العقل والعضلات للذكاء الاصطناعي؟
وللإجابة على ذلك، ومواجهة هذه التحديات، تصوغ الإمارات والولايات المتحدة وشركاء آخرون قواعد لعب جديدة لهذه التكنولوجيا المتقدمة. قواعدٌ تقوم على مبادئ أساسية تمكن الذكاء الاصطناعي من الازدهار، وتضع إطاراً تنظيمياً لضمان استخدامه العادل والأخلاقي. كما تنطوي على إعادة ضبط الأنظمة الحكومية، وإعادة رسم التعاون بين القطاعين العام والخاص وتشكيل علاقاتنا في العالم. 
أولاً، يجب أن يكون هناك المزيد من التعاون بين الحكومات. وفي حالة الإمارات والولايات المتحدة، نطرح وجهات نظر مختلفة على الطاولة، ولدينا توافق أساسي في رؤيتنا للذكاء الاصطناعي. ومن الجدير بالذكر أننا نتفق على أن عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أكثر إنصافاً، في وقت يُعد فيه تضييق الفجوة الرقمية ومنح البلدان المزيد من التحكم ببياناتها من أولوياتنا الرئيسية.
وكجزء من هذا، تتعهد الإمارات بتعزيز مكانتها مصدراً مفضلاً «للحوسبة» التي يمكن الوصول إليها، وهي القوة الحسابية والسرعة اللازمة لمعالجة كميات هائلة من البيانات، بالإضافة إلى النماذج مفتوحة المصدر والدعم المالي لجنوب العالم. ونحن نعمل أيضاً مع الولايات المتحدة لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية ثنائية للاستخدام الأخلاقي والعادل للذكاء الاصطناعي.
وسيتضمن هذا الإطار الحكومي المشترك معايير لحماية البيانات والأمن والموثوقية، بالإضافة إلى دعم البحوث المشتركة بين القطاعين العام والخاص والتعليم والتمويل، وسيؤسس لمزيد من التعاون التجاري.
ثانياً، سيتطلب عصر الذكاء الاصطناعي كميات كبيرة من الطاقة لمعالجة البيانات وإدارة تدفقها، وهنا يجب ألا نتنازل عن أولويات المناخ على حساب التقدم التكنولوجي. ومرة أخرى، يقدم التعاون بين حكومتي البلدين نموذجاً مشرقاً من خلال تشجيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة منخفضة الكربون لتشغيل مراكز البيانات المتعطشة للطاقة.
وكما نعلم، يتم تشغيل البنية التحتية الرقمية للإمارات بالاستعانة ببعض أكبر المصفوفات الشمسية في العالم وأقلها تكلفة، فضلاً عن برنامج الطاقة النووية السلمي المتوسع، وشبكة كهربائية متطورة ومصممة خصيصاً لهذا الغرض. وقد أصبحت شركة الطاقة المتجددة المحلية «مصدر» واحدة من أكبر المستثمرين العالميين في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأكثر من 40 دولة.
ثالثاً، ينبغي نشر هذه التكنولوجيا الجديدة بطريقة تعود بالنفع على المجتمع. وهذا يعني تطبيق فوائد الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم والمناخ. ويجب أن تضمن السياسة العالمية وصولاً عادلاً للقوى المتوسطة والجنوب العالمي.
وأخيراً، يتطلب هذا التحول رأس مال أساسه التعاون بين القطاعين العام والخاص. والإمارات العربية المتحدة بدورها ستخصص مئات المليارات من الدولارات لهذه المهمة. وهي التي قدمت بالفعل دعماً مالياً لكل من شركات التكنولوجيا القائمة والشركات الناشئة الواعدة عالمياً، والكثير منها في الولايات المتحدة.
وعلى سبيل المثال، استثمرت «مبادلة»، وهي أحد صناديق الثروة السيادية الرائدة لدينا، لمدة 17 عاماً في شركة «غلوبال فاوندريز»، ومقرها نيويورك، ما ساعد على إعادة تنشيط صناعة أشباه الموصلات في الولايات المتحدة وتطوير الخبرة الإماراتية في هذا المجال. كما تعاونت شركة «جي 42» مع شركة «سيريبراس سيستمز» في كاليفورنيا لبناء أكبر كمبيوتر فائق السرعة في العالم للتدريب على الذكاء الاصطناعي.
يُعد قطاع الذكاء الاصطناعي في الإمارات من بين القطاعات الأكثر تقدماً في العالم. وترسيخاً لذلك، عينت الدولة أول وزير للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017، وأنشأت أول جامعة متخصصة في أبحاث الذكاء الاصطناعي في 2020، وأطلقت العام الماضي نموذج لغة مفتوح المصدر «فالكون»، الأعلى تقييماً. كما ضاعف الإمارات القوى العاملة متعددة الجنسيات لديها والمتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي أربع مرات على مدى السنوات الثلاث الماضية.
سيكون الذكاء الاصطناعي بمثابة شريان الحياة للمجتمعات المستقبلية، وتأثيراته العميقة تعمل على قلب القواعد القديمة للعبة بسرعة، والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة هما شريكان فاعلان في طليعة تقنيات الحوسبة المتقدمة.
لكننا في المقابل بحاجة إلى تضافر جهود حكومات العالم، وأن تجلس معنا على الطاولة إذا أردنا تسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي الهائلة لتحقيق الخير. ولضمان أن البيانات هي المصير الحقيقي في العصر الجديد، علينا أن نتعاون لتعزيز الفوائد الأخلاقية والعادلة لتقنيات الذكاء الاصطناعي وإتاحتها أمام الجميع.
* سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة (المقال نشر في بلومبيرغ)