هل سيكرّر القلم هذا المقترح؟ قال في نفسه: سيأخذه مجمع اللغة العربية بالشارقة، إمّا من باب حريّة الرأي، وإمّا على أنه «شِقشِقة هَدَرَت» كما يقول المثل القديم. لكن المجمع الموقّر لا يفوته ما في الطرح من تذكير بالذكر الحكيم: «فإذا فرغت فانصب».
يوم بلغ عدد المجلدات سبعة عشر جزءاً، من «المعجم التاريخي للغة العربية»، اقترح هذا العمود أن أجلّ خدمة يسديها اللغويون إلى العربية، هي تبسيط القواعد. فعلى أهل النظر، أن يأخذوها بقوة. لا ينبغي لأحد ادّعاء أنه أحرص على النحو العربي من الجاحظ وابن رشد وابن مضاء وشوقي ضيف وآخرين، مجتمعين. مثل هذا الفطحل لم تلده أمّه بعد. هذا المشهد الغريب، يركل قضية التبسيط ركلة جزاء تمزق شباك المرمى، وتلقي بها خارج الملعب. نحن أمام إشكالية شطرها في علم النفس، والآخر في العلوم العصبية، في أداء الدماغ: ما الذي أصاب العقل العربي حتى صار غير قادر على استيعاب ضرورة إيجاد حلّ للمشكلة؟ ما الذي يُقعده عن النهوض بهذه المسؤولية العاجلة؟ أليس في القصة شيء من المبالغة، أن تظل مهمّة مستعجلة اثني عشر قرناً مستشكلة؟ رحل أبو عثمان في منتصف القرن الثالث الهجري، ومنذ ذلك الحين والعقل العربي يردّد: «العجلة من الشيطان». لعشق الرتابة حدود. أمّا عدم الفهم فعسير الفهم. صاحب «البيان والتبيين» أوصى بعدم تعليم الصبيان من النحو إلا ما ينفعهم في حياتهم اليومية.
من الصعب أيضاً أن يقنعنا أحد بأنّه أشدّ ذوداً عن حمى العربية من الفيلسوف الفقيه اللغوي ابن رشد، مؤلف «الضروري من النحو». مثل هذا الادّعاء جعل ابن مضاء الأندلسي ينتف شعر رأسه ولحيته، ويثور على النحو في كتابه القيّم البديع: «الردّ على النحاة». ثم ما رأيك في ابن زماننا د. شوقي ضيف، الذي كان يشرف على رسائل الدكتوراه؟ كل كلامه في إصلاح أوضاع اللغة ذهب مع الريح. بالمناسبة هو محقق تحفة ابن مضاء. وتعب طلباً للتحديث في كتبه: «تجديد النحو»، «تيسيرات لغوية»، «الفصحى المعاصرة». هل يحتاج العاقل إلى برهان بعدُ على أن المشكلة كامنة في العقل العربي؟ لم تعد ثمة حجة أو ذريعة لتأجيل التبسيط، فكل تأخير سيؤدي إلى مراكمة التعقيدات.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاستدلالية: إذا استطاع علماء اللغة إقناعنا بأن لديهم خطةً أو أمانةً أكثر استعجالاً من التبسيط، فالاعتذار لهم سيكون قبل ارتداد طرفهم.
[email protected]