إعداد ـ محمد كمال
المؤشرات على أرض الواقع المتعلقة بحلف شمال الأطلسي، تتعارض تماماً مع وجهة النظر الغربية التي تقلل من أهمية موافقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على توسيع نطاق استخدام الأسلحة النووية كوسيلة للردع، عقب سماح جو بايدن لأوكرانيا باستخدام الصواريخ الأمريكية بعيدة المدى لضرب العمق الروسي، بينما أطلقت بريطانيا نظام مدفعية آرتشر لأول مرة بالقرب من الحدود الروسية ضمن مناورات للناتو، فما احتمالات لجوء موسكو للردع النووي؟
بدأت التطورات المتسارعة الراهنة، بتحول كبير عندما أعطى بايدن الإذن لكييف باستخدام صواريخ أتاكمز الأمريكية داخل روسيا، وبينما ذكرت التقارير الأولية أن ذلك يقتصر على الضربات في منطقة كورسك، لكن بين عشية وضحاها، ضربت أوكرانيا مستودع ذخيرة روسي شمالاً في بريانسكن وتزامناً مع ذلك قامت بريطانيا بإطلاق نظام مدفعية آرتشر لأول مرة بالقرب من الحدود الروسية، ضمن مناورة «ضربة البرق» أو «الضربة الخاطفة»، وهي الأضخم على الإطلاق للأسلحة الثقيلة للناتو في أوروبا.
بوتين بدوره، وقع على قانون نووي محدث ينص على اعتبار أمريكا متورطة في الهجوم على روسيا إذا ساعدت أوكرانيا، وأن يمكن لروسيا استخدام الردع النووي في حال مهاجمة أراضيها بالصواريخ الباليستية الأمريكية. وذلك رغم تكيف الجيش الروسي منذ فترة طويلة مع التهديد الذي تمثله الصواريخ بعيدة المدى، حيث قام بإعادة نشر الطائرات المقاتلة بعيداً عن القواعد الموجودة ضمن نطاق هذه الصواريخ الذي قد يصل إلى 300 كيلومتر منذ أشهر.
ـ فوائد دبلوماسية
ويرى مراقبون أنه على الصعيد الدبلوماسي، فإن تحديث العقيدة النووية الروسية له فوائد متعددة، حيث تصدر العناوين، وبدا مقلقاً بل مخيفاً نوعاً ما، وقد يجعل ذلك واشنطن تفكر مرتين بشأن الصواريخ. فهو يوفر ذخيرة للمنتقدين المحليين لبايدن الذين يتهمونه بتصعيد الحرب، وربما يعزز رسالة الرئيس المنتخب دونالد ترامب، بأن الحرب يجب أن تنتهي في أقرب وقت ممكن.
وحذرت تاتيانا ستانوفيا، زميلة بارزة في مركز كارنيغي من أنه قد يحدث المزيد من التصعيد وفقاً للتطورات المتسارعة، وترى أن ذلك سيعرض بايدن لمزيد من الانتقادات ويعزز حجة ترامب للحوار المباشر مع بوتين، مما يزيد من فرص تسوية الحرب بشروط روسيا.
ـ خيارات أخرى
ورغم تسليط الضوء على التهديد النووي، فإن مراقبين عسكريين، يرون أن روسيا لديها العديد من الخيارات الأخرى، بما فيها، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، استهداف قوات أمريكية في عدة أماكن بالعالم، أو حتى شن حملة تخريبية في أوروبا، بما في ذلك ضد كابلات الاتصالات تحت البحر. وبطبيعة الحال، لا يمكن استبعاد الخيار النووي بشكل كامل.
ويشير خبراء استراتيجيون إلى أن مرسوم بوتين استخدم لغة حذرة، حيث لن يتم استخدام الردع النووي إلا إذا تم استخدام سلاح نووي أو غيره من أسلحة الدمار الشامل ضد روسيا، أو إذا واجهت هجوماً تقليدياً يشكل تهديداً «خطراً» لسيادتها أو سلامة أراضيها، ومن الصعب حتى الآن تحديد ما إذا كانت ضربات أتاكمز حتى في بريانسك، قد تصل إلى هذه العتبة.
ويتعلق الردع النووي بقرار بوتين وحده، إذ جاء في المادة الرابعة من العقيدة المحدثة «الرئيس هو من يحدد سياسة الدولة في مجال الردع النووي»، وعليه فإنه سوف يقرر ما إذا كانت روسيا ستستخدم سلاحها النووي ومتى، وبالطبع فإن الغرب سيفكر كثيراً في تجاوز الخط الأحمر الجديد الذي رسمته روسيا.
ويشير خبراء إلى أن حرب أوكرانيا الراهنة غيرت أشياء كثيرة، ومن بينها إحداث هزة في أوروبا، وتعميق العداء بين روسيا والولايات المتحدة. ولكنها أيضاً عودت الرأي العام على الاستخدام المتجدد للأسلحة النووية كورقة مساومة نهائية.
ويقول ماثيو بون، الأستاذ بجامعة هارفارد الذي يتتبع المخاطر النووية لعقود من الزمن: «إن هذا بمنزلة تمرين إشارات، يحاول تخويف الجماهير في أوروبا - وبدرجة أقل الولايات المتحدة - لإقناعهم بالتخلي عن الدعم لأوكرانيا». ويضيف أن «الاحتمال الفعلي لاستخدام روسيا أسلحتها النووية لم يتزايد على المدى القصير، وربما زادت احتمالات نشوب حرب نووية على المدى الطويل بشكل طفيف».
ـ رد الفعل الأمريكي
كان من المثير للاهتمام أن رد الفعل في واشنطن تمحور حول اعتبار قرار بوتين مجرد تهديدات نووية. بينما انشغلت الأغلبية بالحديث حول اختيارات ترامب لإدارته الجديدة.
وفي بيان أدانت إدارة بايدن قرار بوتين الجديد لكنها لم تبد أي شعور بالانزعاج. وأشار البيان إلى أنه لم يكن هناك تغيير في الوضع النووي لروسيا، وبالتالي ليست هناك حاجة لتغيير مستويات التأهب لدى الولايات المتحدة.
وقال فيبين نارانغ، الأستاذ والخبير النووي: «بغض النظر عن العتبة التي قد يحاول تحديدها، فإن قرار بوتين باستخدام سلاح نووي غير استراتيجي في أي مكان وفي أي وقت وعلى أي نطاق سيظل يقابل بعواقب وخيمة، وما زال يتعين عليه أن يأخذ في الاعتبار الاستجابات الأمريكية والعالمية وإدارة التصعيد». كما عبر عن ثقته في أنه بعد هذه التحديثات فإن «الموقف التقليدي والنووي للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي قادر على ردع التوظيف النووي الروسي، إذا وقع أي خطأ في الحسابات».
وتبدو فرصة حدوث هذا الخطأ في التقدير منخفضة، فقد كان بوتين حذراً طوال الحرب بشأن شن أي هجوم علني على دول الناتو، التي يريد إبعادها عن الحرب. وكانت الولايات المتحدة تخشى في بعض الأحيان من أنه قد يقوم بالفعل بتفجير سلاح نووي - لا سيما في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، عندما التقط مسؤولو المخابرات الأمريكية محادثات بين جنرالات روس أثارت مخاوف من أن يستخدم بوتين سلاحاً نووياً في ساحة المعركة ضد الجيش الأوكراني.
وقال بايدن للحاضرين في حفل لجمع التبرعات في نيويورك في ذلك الوقت: إن الولايات المتحدة أصبحت أقرب إلى تبادل نووي أكثر من أي وقت مضى منذ أزمة الصواريخ الكوبية، مما أثار رعب بعض من في الغرفة. لكن في النهاية لم يتحقق ذلك.
وكما يشير نارانغ، «لا يتم تحديد العتبة النووية بالكلمات، بل من خلال توازن الردع والمخاطر، بينما التغييرات في العقيدة التصريحية لا تعدل على الإطلاق توازن الردع بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وروسيا».
ـ حقبة الحرب الباردة
وبحسب المؤرخين فإن ما يجري حالياً ليس ما تصوره زعماء الغرب، حيث بدأت حقبة ما بعد الحرب الباردة بتفكيك الأسلحة الروسية والأمريكية بوتيرة شرسة. وعندما انهار الاتحاد السوفييتي، سلمت أوكرانيا آلاف الأسلحة الذرية مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة ودول أخرى. حيث تم مزج الرؤوس الحربية وتحويلها إلى وقود للطاقة النووية، وشحنها إلى الولايات المتحدة، ولسنوات طويلة تم إضاءة وتدفئة المنازل في جميع أنحاء الولايات المتحدة بها.
وقبل خمسة عشر عاماً فقط، تصور الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما عالماً خالياً من الأسلحة النووية، حتى ولو لم تأت تلك اللحظة في ولايته، كما قلل من أهميتها في الاستراتيجية الأمريكية. لكن تلك الأيام يبدو أنها قد ولت. فقد وضعت روسيا أسلحة نووية في بيلاروسيا. وسرعان ما لن تواجه أي قيود على أقوى أسلحتها النووية، وهي الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي يمكنها الوصول إلى الولايات المتحدة.
وفي غضون 15 شهراً، ستنتهي آخر معاهدة تحدد عدد هذه الأسلحة الاستراتيجية التي يمكن لواشنطن وموسكو نشرها، وهناك فرصة ضئيلة لاستبدالها، وتجري أحاديث في الأوساط السياسية الأمريكية عن الحاجة إلى توسيع الترسانة الأمريكية بحيث تأخذ في الاعتبار الشراكة الجديدة بين روسيا والصين، وإمكانية استخدامهما لأسلحتهما بشكل متضافر. بينما يقول المراقبون: إن «الرسالة الحقيقية التي تحملها استراتيجية بوتين المعدلة ليست أن الأسلحة النووية قد عادت، بل إنها لم تختف أبداً».
ـ الناتو والحدود الروسية
وبالتزامن مع تهديدات رئيس المخابرات الروسية سيرغي ناريشكين والذي قال بالحرف: إن «محاولات دول حلف شمال الأطلسي لتسهيل الضربات الصاروخية الأوكرانية داخل روسيا لن تمر دون رد»، فقد قام الجيش البريطاني بإطلاق نظام مدفعية آرتشر لأول مرة بالقرب من الحدود الروسية، ضمن مناورة «ضربة البرق» أو «الضربة الخاطفة»، وهي الأضخم على الإطلاق للأسلحة الثقيلة للناتو في أوروبا.
المدفعية البريطانية اختبرت أحدث قوتها النارية في الدائرة القطبية الشمالية الاثنين، على بعد 70 ميلاً فقط من الحدود الروسية، كجزء من سلسلة مناورات أوسع لحلف شمال الأطلسي، ستجرى في خمس دول وتمثل أكبر مناورة مدفعية للحلف على الإطلاق في أوروبا. وسيشارك نحو 3600 جندي، من بينهم نحو 1250 جندياً دولياً من 28 دولة، في التدريبات الحربية التي تجري بالقرب من روفانيمي في فنلندا. ومن بين هؤلاء، سيتم نشر نحو 350 جندياً من قبل الجيش البريطاني.
وهذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها فنلندا مناورة عسكرية دولية كبرى منذ أن أصبحت العضو الحادي والثلاثين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) في إبريل 2023، بعد 14 شهراً من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. حيث أنهت هذه الخطوة عقوداً من الحياد الفنلندي، وضاعفت طول حدود الناتو المباشرة مع روسيا.
وللمرة الأولى خلال التدريب يستخدم فيها الجيش البريطاني مدفع آرتشر المحمول «هاوتزر» لإجراء إطلاق نار حي، مما يدل على قدرته على تنفيذ ضربات عميقة. وتم تصميم مدافع آرتشر عيار 155 ملم في المملكة المتحدة لإطلاق قذائف متفجرة أو ذخائر موجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، ويمكنها ضرب أهداف على بعد 30 ميلاً، مما يضاعف مداها السابق. ويقال: إن مدفع الهاوتزر يمكنه إطلاق 12 طلقة في ثلاث دقائق.
وتشترك فنلندا في حدود طولها 832 ميلاً مع روسيا. ويقول الكولونيل جان ماكيتالو، مدير التدريبات: إن طبيعة المنطقة نفسها هي السبب وراء رغبة الحلفاء في اختيارها، حيث تشمل العملية «تبادل إطلاق نار تكتيكي متعدد الجوانب للمدفعية الميدانية، أثناء تدريب الجنود على التعامل مع الظروف الصعبة والتضاريس المتنوعة في منطقة القطب الشمالي».
تحركات الناتو.. واحتمالات لجوء روسيا للردع النووي
20 نوفمبر 2024 18:57 مساء
|
آخر تحديث:
20 نوفمبر 19:52 2024
شارك