عادي

محرقة غجر الروما.. الإبادة المنسية في زمن النازية

15:50 مساء
قراءة 5 دقائق

النمسا-أ.ف.ب
ما زال بعض من الناجين يحملون وشماً يختزل فظاعة المحرقة التي تعرض لها غجر الروما في جريمة إبادة بقيت منسية لفترة طويلة من أيام النازية، ويحاول باحثون اليوم توثيقها بشكل أفضل.
طُبع على جلد المعتقلين الحرف ز (Z)، وهو الحرف الأول من كلمة زيغونر ومعناها الغجر، وشماً، يليه رقم.
روزا شنيبرغر هي من بين قلة من السينتي، وهي جماعة لها وجود منذ القرون الوسطى في المجتمعات الأوروبية الغربية وهي من الغجر الرحل، خرجوا أحياء من ظلمة المعسكرات.
كانت في سن الخامسة عندما نقلت مع والدتها وأشقائها إلى أكبر معسكر اعتقال لغجر الروما أقامه الرايخ الثالث وهو لاكينباخ الذي شُيد عام 1940 في النمسا التي ضمتها ألمانيا النازية، حيث أُخضعت عائلات بأكملها للعمل القسري. هذه النمساوية التي تبلغ اليوم الثامنة والثمانين، لا تحبذ استحضار الذكريات التي تركتها لفترة طويلة دفينة في أعماق ذاكرتها.
لكنها تؤكد من فيلاخ في جنوب النمسا في غرفة الجلوس التي تزخر بصور أبنائها الأربعة وأحفادها العشرة واثنين من أطفالهم، «يجب ألا يتكرر ما حصل».
وقبلت روزا أن تروي ما تذكره الطفلة التي كانت أفلتت بسبب صغر سنها من ضرب وشم حرف (ز) على جسمها الصغير.
في معسكر لاكينباخ: «ما كنت أشبع إلا عندما كنت أسرق علف الأحصنة.. كانت تحصل على غذاء أفضل منا»، تستذكر روزا. وتضيف: «نحن الأطفال كان ينبغي لنا أن ننقل الحجارة». أما البالغون فكانوا يرغمون على العمل حطابين في الغابة وبناء الطرق والأشغال عامة.
من فرط الإنهاك كان «الأكبر سناً المساكين ينهارون» وهم أحياء في المراحيض «وكان النازيون ينقلونهم في الصباح الباكر وقد تجمدوا من شدة البرد». وقد شهدت أمام عينيها وفاة جدها الذي كانت تعشق جراء المرض.
نجا 10% من غجر الروما السينتي النمساويين من الجنون النازي. ونقل نحو أربعة آلاف منهم إلى لاكينباخ حيث قضى 237 جراء الأوبئة والبرد والضرب. وأرسل الكثير منهم في قوافل إلى معسكرات الإبادة في شيلمنو ومن ثم أوشفيتز في بولندا التي كان يحتلها النازيون والذي حرره الجيش السوفييتي قبل ثمانين عاماً في 27 كانون الثاني/يناير 1945.
وقد نجت روزا شنيبرغر من الموت وتمكنت من العودة إلى ديارها بعد تحرير لاكينباخ من قبل الجيش الأحمر في آذار/مارس 1945 بفضل والدها الذي كان على غرار الكثير من السينتي يعزف على آلة موسيقية ويرفه عن الحراس.

«لا أرقام محددة»

كم شخصاً نجا مثلها؟ العدد غير واضح بالنسبة للمؤرخين على غرار كارولا فينغز التي تنسق أول موسوعة حول الموضوع في جامعة هايدلبرغ في ألمانيا. وتوضح: «بالنسبة لكثير من الدول، لم نحدد عدد الحجم الفعلي» للاضطهاد.
ففي إستونيا على سبيل المثال، تم القضاء على هذه الجماعة بشكل شبه تام وانقرضت اللغة التي كانت تستخدمها.
بعض الدول تأثرت كثيراً على غرار بلجيكا وهولندا وكرواتيا، في حين أن الكثير من أفراد هذه الجماعة نجوا في دول أخرى، مثل فرنسا وبلغاريا ورومانيا، بالنظر إلى النظام الذي كان قائماً فيها.
لا تتوافر بيانات من مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية في أوروبا حول عدد أفراد غجر الروما البالغ راهناً 12 مليون نسمة مع تنوع ثقافي واسع، بينهم مئات الناجين ما زالوا على قيد الحياة.
وتقول فينغز: «لو جمعنا الأرقام المؤكدة للسينتي وغجر الروما يمكننا ربما القول إن 110 إلى 120 ألفاً منهم قضوا» في المعسكرات.
وتضيف: «لكن ثمة عدداً كبيراً من الحالات غير المسجلة والفرضية التي فرضت نفسها نوعاً ما في الأبحاث تفيد بوقوع 200 ألف قتيل».
لم يحصل أي توثيق خلال فترة ارتكاب الجرائم. وفي نهاية الحرب تم إتلاف الأدلة وفي السنوات التي تلت، استمر «الجلادون» الذين انخرطوا مجدداً في المجتمع الألماني «بتهميش الضحايا من غجر الروما واصفين إياهم بأنهم مجرمون» على ما تضيف الباحثة الألمانية.
على الصعيد الدولي، لم يتقدم البحث إلا في السنوات العشرين الأخيرة. وكان بذلك فد فات الأوان لجمع شهادات معتقلين سابقين كان النازيون يميزونهم عن غيرهم من خلال مثلث أسود أو بني بحسب المعسكرات.
وتقول الخبيرة الفرنسية هنريات أسيو «الأفظع في هذه القضية» أن الناجين لم يعتبروا لاحقاً «ضحايا معاملة عنصرية في ألمانيا، حيث لم يستعيدوا الجنسية التي كانوا يحملونها منذ أجيال وفي الدول الأخرى في أوروبا الوسطى».
وتضيف أن التشكيك بحملهم الجنسية ومطالبتهم بشهادة سكن «كانت في أغلب الأحيان لاستبعادهم عن التعويضات». فمنذ عام 1935 نصّت قوانين نورمبرغ (قوانين عنصرية حول المواطنة في الرايخ الثالث و«حماية الدم الألماني») على أن «الغجر ينتمون إلى أعراق غير أصيلة».

شعور مناهض للغجر

الاعتراف بارتكاب جريمة إبادة جماعية في حقهم بدأ يشق طريقه ببطء في ثمانينات القرن الماضي، بفضل تحرك ناشطين من غجر الروما ولدوا في مرحلة ما بعد الحرب، وفي إطار إحلال الديمقراطية بعد الحقبة الشيوعية على ما تفيد أسيو.
وفي عام 2015 اعتُمد الثاني من آب/أغسطس «يوماً أوروبياً لذكرى محرقة غجر الروما».
وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، نشر التحالف الدولي لذكرى المحرقة وهي منظمة حكومية مرجعية في هذا المجال، توصيات حول تعليم هذا «التاريخ المهمل».
وإلى جانب النسيان، تم أحياناً سحق ذكرى الضحايا.
في تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، أقيمت مزرعة خنازير كبيرة في سبعينات القرن الماضي في موقع معسكر ليتي جنوب غرب براغ. وبين عامي 1942و 1943، اعتقل 1300 من غجر الروما في هذا المعتقل في ظروف فظيعة. وقد قضى فيه أكثر من 300 شخص أغلبهم دون سن الرابعة عشرة، وهو رقم أقل بكثير من الواقع بسحب ناجين.
وتعرضت الحكومة التشيكية لضغوط على مدى عشرين عاماً قبل أن تشتري مزرعة الخنازير وتهدمها اعتباراً من عام 2018.
تقول يونا هورفاتوفا، سليلة ناجين تشيكيين: «تفيد نتائج استطلاعات الرأي بأن ما لا يقل عن 75% من الرأي العام لا يزال يتأثر بالأحكام المسبقة إزاء عجر الروما، ما يعني عدم اهتمام بالمسألة».
وتترأس هورفاتوفا نصباً تذكارياً دشنه في المكان الرئيس بيتر بافيل في نيسان/إبريل 2024.
إلا أن الانتظار دام طويلاً وتوفي آخر المعتقلين الناجين قبل إنجاز الأعمال. وواجه كسر جدار الصمت صعوبة بسبب المشاعر المناهضة للغجر.
وتوضح المؤرخة التشيكية آنا ميسكوفا التي أقامت معرضاً دائماً في المكان «البعض أحجم عن الكلام لأنهم كانوا يتعرضون للترهيب لأنهم من غجر الروما».
وتشدد كارولا فينغز على أن معسكر ليتي «كان أول معسكر اعتقال من هذا النوع استحال نصباً كبيراً مرفقاً بمتحف خاص به».

«لو عرفوا»

في العائلات، لم تنقل الذكرى إلى الأجيال التالية، واقترن الكثير من الناجين من المعسكرات بأشخاص من غير الغجر الروما، وتخلوا عن استخدام لغة طفولتهم «روماني».
هذا ما حصل مع كريستين غال المولودة عام 1949 والتي تخلى أهلها عن اسم عائلتهم «ساركوزي» الذي يشي بأنهم من غجر الروما في محاولة للانخراط بين عامة المجتمع. في مأوى العجز الذي تقيم فيه في فيينا لا أحد يعرف قصتها.
وتؤكد: «لو عرفوا أني منهم (من غجر الروما) لن يتعامل النزلاء الآخرون باللطافة ذاتها معي».
لا يشعر أولادها بأنهم من غجر الروما. فمع من تتشارك العادات والوصفات وأسرار آلة السيمبالوم المحببة في الكثير من العائلات التي أبيدت.
فوالدتها هي الوحيدة من عائلتها المؤلفة من 13 ولداً التي نجت من معسكر الاعتقال في رافنسبروك في إلمانيا، فيما فقد والدها أشقاءه وشقيقاته.
وتقول جينا بوهوني، البالغة 64 عاماً، وهي ابنة روزا شنيبرغر: «انتهت حياة التنقل والمهن التي كنا نقوم بها مثل تجارة الأحصنة».
وتقر بحزن «السينتي في طريق الاندثار» معددة الشتائم التي كانت تكال لها في المدرسة مثل «الشقر» و«الزنجية الغجرية» التي من «الأفضل لها أن تعود إلى الهند».
وتصغي ابنة شقيقتها البالغة 27 عاماً إليها بصمت.
هل تريد أن تحمل هذا الإرث الثقيل؟ ترفض الإفصاح عن اسمها وتؤكد أنه لو اكتشف صاحب العمل أنها من غجر الروما ستكون عاقبة ذاتها كارثية.

https://tinyurl.com/3nhfm6zv

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"