تُعد أمراض القلب من أكثر الحالات الطبية تحدياً في التشخيص، حيث يمكن أن تُصيب المريض دون إظهار أي أعراض واضحة. ومن أخطر هذه الأمراض وأكثرها تعقيداً ارتفاع ضغط الشريان الرئوي، الذي يؤثر بشكل كبير في جودة حياة المريض.
ضغط الدم، بشكل عام، مرض شائع يتمثل بارتفاع الضغط في الأوعية الدموية التي تمد الأعضاء المختلفة مثل القلب والرئتين، ويتم تشخيصه عادة باستخدام أجهزة قياس ضغط الدم. أما ارتفاع ضغط الشريان الرئوي، فهو مرض خطير يصعب اكتشافه في المراحل المبكرة نظراً لعدم وجود فحص مباشر لتشخيصه.
يتكون القلب من جزأين رئيسيين، لكل منهما دور محدد. البطين الأيمن مسؤول عن ضخ الدم غير المؤكسج إلى الرئتين، حيث يتم تزويده بالأكسجين لإعادة توزيعه إلى باقي أنحاء الجسم. ويُعتبر البطين الأيمن أصغر وأضعف من البطين الأيسر نظراً لوظيفته التي تتطلب ضخ الدم إلى الرئتين، وهي بيئة ذات ضغط منخفض نسبياً. تعمل الحويصلات الهوائية في الرئتين كبيئة منخفضة الضغط، مما يسهل عمل البطين الأيمن.
في حالة تضيق الشرايين الرئوية، التي تُعرف برقتها ووفرتها إذ يصل عددها إلى الملايين، يزداد الضغط بشكل كبير على البطين الأيمن. هذا التضيق يفرض عبئاً إضافياً على البطين نتيجة الجهد المبذول لضخ الدم عبر الشرايين المتضيقة، ما قد يؤدي إلى تدهور وظيفته بمرور الوقت.
تم اكتشاف أحد عشر مسبباً رئيسياً لارتفاع ضغط الشريان الرئوي. من أبرزها الأمراض المناعية مثل الذئبة الحمراء وتصلب الجلد والتهاب المفصل الروماتويدي، التي تمثل نحو 30% من الحالات وتؤثر في الشعيرات الدموية في الرئة، مما يسبب تصلبها. غالباً ما تصيب هذه الحالات المرضى في سن مبكرة وتنتشر بين النساء. سبب آخر هو الوراثة المجهولة، حيث كشفت دراسات في الإمارات عن طفرات جينية مثل طفرة BMPR2، التي تزيد من خطر الإصابة لدى الإناث، بجانب طفرات أخرى تؤثر في الذكور. تشمل المسببات الأخرى الإصابات الرئوية كالتخثرات والالتهابات الشديدة التي تؤدي إلى التليف، والتي ازدادت بعد جائحة «كورونا». كذلك، أمراض الدم مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية تساهم في الإصابة نتيجة انسداد الشرايين بخلايا الدم المريضة.
كما تُعد أمراض القلب الوراثية مثل الثقوب الأذينية والبطينية ومتلازمة أحادي البطين من الأسباب الشائعة، وغالباً ما تكون مصحوبة بارتفاع الضغط الرئوي. في حال عدم وجود سبب واضح، يُصنف المرض مجهول السبب، وهو ما يشكل 20% من الحالات.
في عام 2014، تم إنشاء قاعدة بيانات خاصة بمرضى ارتفاع ضغط الشريان الرئوي في الإمارات. ومنذ ذلك الحين، تمكنت الدولة من جمع وتحليل بيانات تمتد لأكثر من سبع سنوات، ما أتاح فهماً أعمق للحالات المسجلة. تشير التحليلات إلى أن معظم الحالات تُكتشف في مراحل متقدمة من المرض، مما يبرز أهمية رفع مستوى الوعي بأعراض هذا المرض لتشخيصه مبكراً والحد من تأثيره السلبي في حياة المرضى.
نظراً لتشابه أعراض ارتفاع ضغط الشريان الرئوي مع أمراض أخرى، فإن فهم هذه الأعراض يمثل خطوة أساسية للتشخيص. قد يعاني المرضى ضيقاً أو صعوبة في التنفس، وهي مشكلة تتفاقم تدريجياً مع مرور الوقت. بالإضافة إلى ذلك، قد يشعر بعض المرضى بزيادة في معدل دقات القلب حتى مع بذل أقل مجهود. في المراحل المتقدمة، قد تظهر أعراض إضافية مثل انتفاخ القدمين أو الاستسقاء البطني، الذي ينتج عن تراكم السوائل بسبب عدم قدرة البطين الأيمن على ضخ الدم بكفاءة. يؤدي ذلك إلى ارتجاع السوائل إلى البطن والأوردة، مما يزيد من معاناة المريض.
تشكل صعوبة تشخيص المرض تحدياً كبيراً بسبب تشابه أعراضه مع أمراض أخرى، مثل الأنيميا أو الربو، وفي بعض الأحيان يتم تحويل المرضى إلى الأقسام النفسية لعدم وضوح المسببات الحقيقية لأعراضهم. تأخير التشخيص نتيجة لهذه العوامل قد يؤدي إلى تفاقم حالة المريض. لذا، من الضروري أن يشتبه الأطباء بوجود المرض إذا ظهرت مجموعة من هذه الأعراض دون سبب محدد، ما يستدعي إجراء فحوص دقيقة لتأكيد التشخيص وتحديد خطة العلاج المناسبة.
يُعد ارتفاع ضغط الشريان الرئوي مرضاً خطيراً، حيث يتفاقم بشكل ملحوظ إذا لم يتم علاجه. تشير الدراسات إلى أن 20% من الحالات الشديدة التي لم تتلقَ علاجاً أدت إلى وفاة المرضى خلال سنة واحدة فقط، وهو أعلى من نسبة الوفيات الناتجة عن مرض السرطان الخبيث، لذا، تبرز أهمية الفحص المبكر لتجنب المضاعفات الخطيرة التي قد تؤثر في صحة المرضى وجودة حياتهم.
بناءً على الدراسات الحديثة، تبين أن المرض ليس نادراً كما كان يُعتقد في الماضي. يعود انخفاض عدد الحالات المسجلة سابقاً إلى التشخيص الخاطئ، وليس إلى ندرة المرض ذاته. في مسح أُجري على مستوى الإمارات، تم تشخيص 500 حالة على مدار سبعة أعوام، لكن بالإشارة إلى الإحصاءات العالمية، يُقدر أن العدد الفعلي للمصابين قد يتراوح بين 1,500 و2,000 مريض.
تشخيص ارتفاع ضغط الشريان الرئوي عملية معقدة تتطلب إشرافاً طبياً متخصصاً لضمان الدقة. عند الاشتباه في الإصابة، يُحال المريض إلى طبيب مختص لمراجعة الأسباب المحتملة. تشمل عملية التشخيص إجراء قسطرة قلبية لقياس ضغط الشريان الرئوي، وهو فحص حيوي لتقييم تدفق الدم ونسبة الأكسجين داخل الرئة، ولتحديد مدى تضيق الشريان أو الأضرار التي لحقت به. يُضاف إلى ذلك تحليل أكسيد النيتريك لتحديد استجابة المريض للعلاجات المختلفة.
وعند اكتشاف إصابة، يُوصى بأن يخضع أفراد الأسرة، خاصة الأقرباء من الدرجة الأولى، لفحوصت دورية للكشف عن المرض مبكراً. هذا الإجراء يساهم في تقليل احتمالية التشخيص المتأخر ويعزز فرص العلاج الناجح.
يعتمد علاج المرض بشكل كبير على الحالة الفردية للمريض واستجابته للعلاجات. تُصمم خطة علاجية مخصصة لكل مريض لضمان توافقها مع حالته. في حالة عدم توافق العلاج، قد يؤدي ذلك إلى تدهور الحالة وتفاقم المرض، مما يجعل المتابعة الدقيقة والتقييم المستمر أمراً ضرورياً لتحقيق أفضل النتائج وتقليل تأثير المرض في حياة المريض.
حرصت الإمارات منذ سنوات عديدة على توفير كل العلاجات المعتمدة عالمياً لعلاج ارتفاع ضغط الشريان الرئوي داخل الدولة. تنقسم طرق العلاج إلى أربع استراتيجيات رئيسية، جميعها تهدف إلى توسيع الشرايين الضيقة ومنع تصلبها. تختلف هذه الأدوية عن أدوية ضغط الدم الاعتيادي، حيث تتوفر على شكل حبوب يومية تُعطى للمريض. وفي حال تفاقم الحالة، يتم اللجوء إلى إبر تُعطى مرة كل ثلاثة أسابيع. كما يوجد خيار زراعة مضخة وريدية تعمل على ضخ الدم بشكل مباشر في وريد المريض، بهدف منع تطور المرض إلى مرحلة فشل البطين الأيمن.
وأصدرت مجموعة عمل مكونة من 44 خبيراً طبياً في الإمارات، يمثلون جمعيات متخصصة في أمراض القلب والرئة والمناعة والروماتيزم، أول تقرير إرشادي متكامل حول تشخيص وعلاج مرض ارتفاع ضغط الشريان الرئوي في منطقة الخليج والشرق الأوسط. يهدف التقرير إلى دعم الأطباء والمرضى في التعامل المبكر والفعال مع هذا المرض الخطير.
ووفرت دائرة الصحة – أبوظبي مؤخراً عقاراً ثورياً لعلاج ارتفاع ضغط الدم الشرياني الرئوي، لتكون أبوظبي الأولى في المنطقة التي توفر هذا العلاج. ويُعطى العقار الذي طورته «أم إس دي» عن طريق الحقن تحت الجلد كل ثلاثة أسابيع، ويعمل على تثبيط نمو خلايا الأوعية الدموية الرئوية، مما يساهم في تحسين تدفق الدم وتقليل المخاطر على المرضى منخفضي ومتوسطي الخطورة.
في الحالات التي يفشل فيها العلاج الدوائي في إدارة المرض، يتم تحويل المريض لإجراء عملية زراعة القلب أو الرئة أو كليهما. والإمارات توفر هذه العمليات داخل الدولة.
من المهم التنويه بأن أدوية علاج ضغط الدم الاعتيادي ليست فعالة في علاج هذا المرض. بدلاً من ذلك، توجد مجموعة من الأدوية المخصصة لعلاج ارتفاع ضغط الشريان الرئوي. يتم تصميم خطة علاجية فردية لكل مريض بناءً على استجابته للأدوية، ويتم ذلك تحت إشراف طبيب مختص بالمرض. وتتضمن التوصيات العالمية استخدام أكثر من نوع من الأدوية في العلاج، حيث تُظهر الدراسات أن الجمع بين الأدوية يُحسن من حالة المريض ويُثبط تطور المرض.
في هذا السياق، تبرز أهمية وجود جمعيات متخصصة لدعم المرضى. هذه الجمعيات تلعب دوراً حيوياً في تحسين الوعي بالمرض وتقديم المساعدة والدعم للمصابين وأسرهم، مما يساهم في تعزيز جودة الحياة وتحسين فرص العلاج.
---------
* استشاري قصور القلب المتقدم وارتفاع الضغط الشرياني الرئوي في ميدكلينيك أبوظبي.
أستاذ مساعد سريري في أمراض القلب، جامعة براون، رود آيلاند الأمريكية.
النائب الرئيس الأسبق لمجموعة عمل الإمارات لارتفاع الضغط الشرياني الرئوي