إعادة تكوين السلطة في لبنان

00:24 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. خليل حسين*

لطالما تعرض نظام الحكم في لبنان إلى اهتزازات قوية أدت في العديد من الحالات إلى تفكك السلطة ونشوء حالات فراغ في المؤسسات الدستورية، ولم يكن إعادة بناء السلطة أمراً سهلاً، أو أقله متاح العمل فيه للتكوين من جديد، وفي أفضل الحالات استغرق الأمر مزيداً من الوقت، وتخللتها حالات احتراب ونزاعات ممتدة بأوجه طائفية ومذهبية، وانقسامات مجتمعية عامودية، أدت في بعضها إلى صدامات أمنية وعسكرية، وفي جميع تلك الحالات سُجلت تدخلات خارجية كان لها أثر واضح، تارة بمزيد من الانقسامات وطوراً في إجبار اللبنانيين على الانصياع لمشاريع حلول كانت تقدم من غير طرف خارجي.
انطلقت حالياً إعادة تكوين السلطة في النظام الدستوري بعد سلسلة فراغات في غير موقع دستوري، أبرزه رئاسة الجمهورية، التي ظلت في فراغ استمر سنتين وثلاثة أشهر، انتُخب قائد الجيش العماد جوزيف عون رئيساً وسط تجاذب داخلي غير مسبوق الحدة، ترافق مع إجماع دولي على ضرورة الانتخاب ودعم انتخابه، وبالتالي شكلت عملية الانتخاب اللبنة الأولى نحو تركيب السلطة التي أُتبعت بتكليف القاضي نواف سلام تشكيل حكومة العهد الأولى وفقاً لمعايير اعتبرت صارمة وغير مسبوقة في الحياة السياسية والدستورية منذ الاستقلال، والتي كانت نتاج متغيرات إقليمية انعكست على الوضع الداخلي اللبناني وموازين القوى الناشئة بعد الحرب.
وربما المحطة الأكثر حساسية ودقة ستكون مع استحقاق الانتخابات التشريعية في أيار/ مايو 2026 من حيث المبدأ عند انتهاء ولاية المجلس التشريعي الحالي، وفي هذا الإطار ستشكل هذه المحطة تجاذباً قوياً كما هو متوقع حول قانون الانتخاب الذي على أساسه ستُجرى العملية الانتخابية، ويشار هنا إلى أن القانون الحالي الذي ارتكز على قواعد جديدة في الحياة الانتخابية اللبنانية، لجهة النظام النسبي على مستوى المحافظات إضافة إلى نظام الأصوات التفضيلية، والذي جاء بمجلس نيابي بموازين قوى متعددة، ما أدى إلى تشتت القوى بين أكثريات متعددة، يصعب الجمع بينها حول أي قضية تتطلب حتى الأغلبية المطلقة، عدا استحالة الوصول إلى الثلثين وهي متطلبات القضايا الاستراتيجية التي وردت في نص دستوري، ومنها قانون الانتخاب.
في جانب آخر لا يقل أهمية وحساسية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ثمة فراغات هائلة في الهيئة القضائية نتيجة التقاعد وعدم القدرة على التعيين، فضلاً عن أجهزة الإدارات والمؤسسات والمرافق العامة، التي وصل الشغور في الفئة الأولى إلى ثمانين في المئة من كوادرها الرئيسية ومثلها تقريباً في الفئة الثانية التي تعتبر عصب الأجهزة الإدارية ونطاقها القيادي والتنفيذي، علاوة على الفئات الأخرى الثالثة والرابعة والخامسة، باختصار ثمة معجزة في كيفية استمرار أجهزة الدولة، فراغات قاتلة وإمكانات متواضعة، وعوامل ضعف لا تُعد ولا تُحصى.
إن أولى تحديات الحكومة الحالية هي إعادة تكوين المؤسسات والمرافق العامة عبر تعيينات الفئات القيادية في الفئة الأولى والثانية، وهي عادة ما شكلت محور تجاذبات سياسية حادة بين الزعامات السياسية، والتي تشكل هذه المراكز عصب قوتها بين محازبيها وبيئتها السياسية التي ترتكز عليها، إذ عادة ما كانت تتوقف مراسيم التعيينات في الفئات القيادية ولا تمر عادة إلا بعد جهد جهيد تتكلل نهاياتها بتوازنات مدروسة بدقة متناهية، تراعي الكثير من مطالب زعامات الأحزاب والطوائف والمذاهب.
لقد شكلت بداية تكوين السلطة سابقة في الحياة السياسية اللبنانية، فانتخابات الرئاسة جرت بعد مخاض عسير وحُسم الخيار والقرار خلال ساعتين بين الجلسة الأولى والجلسة الثانية، إضافة إلى عملية تكليف نواف سلام لتشكيل الحكومة، التي جرت أيضاً بغير ما كان متوقعاً أو أقله كما اتفق بين الزعامات والأحزاب، وهي سابقة أيضاً في تاريخ تشكيل الحكومات في لبنان، حيث اعتمدت معايير صارمة تمسك بها رئيس الحكومة في قبول تسمية وزراء الحكومة، حيث أصر على استبعاد أي اسم له خلفية حزبية وإن كان غير منتسب أيضاً، كما تميزت الحكومة أيضاً هذه المرة بعدم إمكانية تعطيل أعمالها على قاعدة عدم امتلاك أي طرف فيها الثلث المعطل، بعكس ما كان سائداً في الحكومات التي شكلت بعد اتفاق الدوحة في العام 2008، إضافة إلى التمسك بمعايير ومبادئ رئيسية أطلقها رئيس الجمهورية في خطاب القسم بعد انتخابه.
ثمة من يقارب ويشابه إعادة تشكيل السلطة حالياً، بما جرى مع عهد الرئيس الراحل العماد فؤاد شهاب (1958- 1964)، ورغم اختلاف الظروف الداخلية والإقليمية والدولية لكلا العهدين، ثمة من يراهن على إعادة لبنان إلى موقعه العربي والدولي، وهو أمر مرهون بما يمكن لحكومة العهد الأولى أن تنجزه من ملفات كثيرة، منها إعادة الإعمار وإعادة تشكيل الوضعين الاقتصادي والمالي، فلبنان يحتاج حالياً إلى معجزات للوصول إلى آمال كبيرة يعلقها اللبنانيون على العهد، بعدما ذاقوا الأمرّين، من حروب خارجية وانقسامات داخلية وأزمات راكمت الكثير من عوامل الانكسار النفسي والمجتمعي.

* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسيةrفي الجامعة اللبنانية

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"